كلمة الملكة رانيا خلال إطلاق المجلس المصري للاستدامة

February 28, 2010

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،،

السلام على كلّ من حمل عبء الأمانة،،

أمانة المسؤولية ..

فالحياة مسؤولية والأرض أمانة ...

أود في البداية أن أشكر الجمعية المصرية لشباب الأعمال والسيد حلمي أبو العيش على الدور الريادي الذي يقومون به في التنمية المستدامة، ورفع مستوى التنافسيّة في مصر.

ربما كانت مصر المكان الطبيعي لنشر مفهوم الاستدامة عربيّاً، فقد أغدق الله عليها  بجميع عناصر البيئة المستدامة. النيل والدلتا والبحر والرّيح والشّمس والبشر.. 

لم يعرف العالم في تاريخه عصراً كعصرنا هذا، في سرعته، وتشعّب وتداخل تحدياته وفرصه. ومع تطور العصر، تغيرت سياساتنا الاقتصادية والإستراتيجية، لتواكب هذا التداخل.
اختلفت الأدوات التي نستعملها في التواصل والتخاطب، وبدأت تتسارع كوقع الحياة من حولها..

الإنترنت ... دخل جامعتي هنا في مصر بعد تخرجي منها ... وكنت أقضي أيام دراستي بين رفوف المكتبة، أبحث لساعات عن مرجع أو ملخص .. اليوم تستطيع ابنتي سلمى، وهي في التاسعة، إيجاد مئات المراجع في أقل من ثلاثين ثانية!


She googles it

للأسف، تأخرنا كعرب في مواكبة التطور، استثقلناه فلم ينتظرنا ..  تجاوزتنا الثورة الصناعية، والرقمية، والإنترنت.. مليارات الدولارات من الأرباح لم نكن طرفاً فيها ... العالم العربي بأكمله، أكثر من ثلاثمائة وثلاثين مليون شخص، ينتجون أقل من واحد بالمائة من كل ما ترونه على الإنترنت اليوم من مواقع ومواد!!

هناك استثناءات بالطبع .. شركة أردنية على سبيل المثال، "مكتوب"، قررت أن تحفر لها مكاناً في الشبكة العنكبوتية ... العام الماضي بيعت هذه الشركة لياهو بعشرات الملايين من الدولارات ..  لكنها قصص نجاح فردية قليلة ومتباعدة ..

لسنا في الطليعة بعد .. نعم .. نحاول .. نتعلم، نتبنى التقنية لغة حوار لتسهل حياتنا، وتتماشى مع عصرنا هذا، لكنها ستكون دائماً وأبداً لغتنا الثانية، لن نتحدثها ونعيشها بطلاقة أبنائنا .. وهذا ينطبق على العديد من مناحي الحياة التي تبدو غريبة علينا الآن، ستصبح جزءاً لا يتجزأ من يوم أطفالنا ...

لن تكون الاستدامة في المستقبل، بأوجهها الاقتصادية والبيئية والاجتماعية، خاضعة لإستراتيجية إنتقائية من بعض الشركات، ولن تبحث قبل أن تطبق، بل ستكون في صلب طريقة تعامل الشركة.

وسيظل السؤال الأول دائماً: هل طعامنا، بناؤنا، موّردنا، طاقتنا، تعليمنا ..... مستدام؟

وأين سيقف العرب من هذا؟ هل نستطيع اللحاق بالركب من جديد؟ أم نتعثر بينما ينطلق الآخرون؟

ما الذي يحول دون أن نكون في المقدمة هذه المرة؟ 

نعم لدينا مشاكل كبيرة: الإرهاب، الاقتصاد، فلسطين! لكننا يجب أن نتوقف عن استعمالها عذراً ينعكس على جميع جوانب حياتنا ... فالحلول لا تقعدها أو تعجزها قلة الحيلة!

وطبعاً هناك العذر الأكبر الذي نعلق عليه كل شيء .. المارد الذي لن نتخطاه بل يقعدنا عن الحراك: الحكومة...

قد لا تكون معظم حكوماتنا العربية حيث نريدها ... بطيئة ومتثاقلة أحياناً، وبيروقراطية في معظم الأحيان ... لكن هذه الآفة ليست حكراً علينا...

فقمة كوبنهاغن أثبتت تخاذلاً عالمياً لدى الحكومات، والجهات الوطنية المستقلة، ونظامنا الدولي ككل في الاستجابة بالسرعة والفاعلية لتحديات العصر، وفي حين تتشابه الحكومات في بطء سفن التغيير في دولها، تتشابه الشعوب بأنها تهب بسواعدها لتجديف قوارب النجاة.

وكثيرون حول العالم قرروا أخذ زمام المبادرة لتغيير واقعهم إلى الأفضل .. بينما ما زلنا في العالم العربي نجلس على سفن الحكومة، آملين أن تهب رياح التغيير بين سارياتها لتحملنا إلى واقع أفضل.

قال سبحانه وتعالى: "إِن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأَنفسهم" صدق الله العظيم.

ما نحتاجه هو تغيير جذري في طريقة تفكيرنا ... في توقعاتنا من أنفسنا وما نستطيع تحقيقه .. قدرتنا على التحديث والتطوير، والإيمان بأهمية أفكارنا ..

نعم التقنية مهمة، لكن عصرنا هذا هو عصر الرؤية المبدعة .. عصر الفكرة الخلاقة ... والأفكار هي السلعة الأغلى هذه الأيام!

يجب أن نصنع  أفكاراً جيدة، وأن نؤمن بأن الأفكار الجيدة تجعل واقعنا أكثر جودة. وهذه الأفكار، وهذا التغيير يجب أن يبدأ من القطاع الخاص، أن يبادر فيعبد الطريق لتسير عليه الحكومات من بعده.

وفي الوقت الذي نطالب فيه بهيكلة عالمية جديدة تعالج مشاكلنا المجتمعة، نطالب أيضاً بتطبيقها داخل بلداننا .. أن نوقع عقوداً جديدة، عقوداً قائمة على فكرة الاستدامة، بين شركاتنا وحكوماتنا، وشركاتنا وموظفيهم، وشركاتنا ومجتمعاتها ... عقوداً أساسها الشفافية والمساءلة، عقوداً قائمة على الوعد بأن تكون المنفعة العامة جزءاً من أرباح الشركات .. أن استثمارات القطاع الخاص لا تقبع في حساب مصرفي بل تدوّر في محيطه، في مدارسه وملاعبه، وبين وديان وجبال وسهول البلدان التي يعمل فيها .. أن يكون للشركات دورها في تنمية مجتمعاتها، وتعليم أبنائها وتأهيل وتشغيل شبابها وشاباتها. 

فالاستدامة فرصة ...
ليس فقط لإقتحام أسواق جديدة تشترط تلك المعايير لدخولها، بل فرصة لغرس الولاء لسلعتك وخدماتك .. فرصة لتطوير مهارات العاملين في شركتك والجيل القادم من العاملين فيها ... هي فرصة للقطاع الخاص ليثبت أنه جزء من مجتمعه، ويد فاعلة في حل مشاكله.

الاستثمار في استدامة مشروعك يشبه تدوير المياه في الطبيعة... فالمطر يرفد بحرك بالمزيد من الماء مع هطول العوائد، أما إن أخذت أكثر مما تعطي؛ سيبدأ مستوى الماء بالهبوط تدريجياً.

إن الثقة، التواصل، والمساهمة ... هي أسس الربح الحقيقي، هي القناعة بأنك حين تخدم مجتمعك فإنما تخدم نفسك، أن المنفعة الخاصة والمنفعة العامة مخططان دائريان يتقاطعان في مساحة أكبر بكثير مما تتصور، أكبر بكثير من مساحة الهلالين خارج تلك الرقعة المشتركة.

يجب علينا أن نعيد التفكير فيما نعرف، فيما نجزم، في قواعد اللعبة التي استوردناها ولم نصدرها بعد ... فالوقت كالنهر الجاري، لا تستطيع أن تلمس المياه نفسها فيه
مرتين ... فنلمس جميع قطراته ولو مرة واحدة.

بارك الله في وقتكم وتعبكم وجهدكم.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته،،