تجاوز إلى المحتوى الرئيسي
ترجمة كلمة الملكة رانيا في قمة الأعمال العالمية بالهند

بسم الله الرحمن الرحيم

أشكركم على دعوتي للمشاركة في هذه القمة، وعلى حفاوة الاستقبال في بلدكم الجميل. من الصعب أن يزور المرء الهند دون أن يشعر بالإلهام.

في كل زيارة، أرى دولة ترفض الركود؛ تتقدم في التصنيفات العالمية، وتنتشل مئات الملايين من براثن الفقر، وتنتج مواهب يتنافس العالم على استقطابها.

لكن ما يميز الهند ليس زخمها الاقتصادي فحسب، بل المنظور الفريد الذي تقدمه.

لم يكن تقدم بلدكم نتاج حظ أو امتياز، بل ثمرة جهد شاق. فمن خلال الابتكار، والقدرة على التكيف، والصمود تحت الضغط، كسبت دولتكم مكانتها كقوة عالمية صاعدة.

هذه الرحلة، هنا في الجنوب العالمي، تمنح الهند شيئاً يحتاجه العالم اليوم: عقلية نمو يصوغها الواقع المعاش بقدر ما تصوغها الطموحات.

خلال حديثي مع قادة من مختلف القطاعات والمناطق هذه الأيام، لفتني شعور عام بالترقب، مقرون بشيء من القلق.

وربما شعرتم بذلك أيضاً. فليس من السهل اليوم النظر إلى المستقبل دون الشعور بقدر من القلق، ليس لأن المستقبل يبدو قاتماً، بل لأنه يبدو غير مألوف.

ولا حاجة لأن أذكركم بأن الذكاء الاصطناعي يعيد تشكيل عالمنا بوتيرة تعجز المؤسسات والتشريعات، أو حتى القدرات البشرية عن مجاراتها.

غير أن المسار المتسارع للذكاء الاصطناعي ليس إلا الصدمة الأحدث في عصر يتسم أصلاً بالاضطراب والتقلب.

فمن ناحية، الترابط العالمي أمر لا مفر منه. حيث تتحرك المعلومات، والتكنولوجيا، ورؤوس الأموال باستمرار. وتتجاوز النزاعات والحروب التجارية والكوارث المناخية الحدود، سواء أردنا ذلك أم لا.

ومع ذلك، نجد السياسة تسير في الاتجاه المعاكس. فتتجه الدول نحو التقوقع، وتزداد سياسات التجارة والهجرة ضيقاً، وتتفكك سلاسل الإمداد ويتم توطينها أقرب إلى الداخل.

لذا نجد أنفسنا عملياً نعيش واقعاً عالمياً، لكن تحكمه سياسات محلية، بينما يجد قطاع الأعمال نفسه عالقاً في المنتصف. هذا التوتر لا يزيد الوضع تعقيداً فحسب، بل يزيده تقلباً وعدم استقرار أيضاً.

في قاعات الاجتماعات وأروقة الحكومات، يشعر الناس بأن الأرض تهتز تحت أقدامهم. ومع ذلك، يواصل كثير من عالمنا الاندفاع للأمام وكأن شيئاً لم يتغير، وكأن السرعة بحد ذاتها هي الغاية.

كم مرة نتوقف لنسأل أنفسنا: ما الذي نتسابق نحوه؟ هل ما زلنا في الصدارة، أم أن زخم الأحداث هو ما يقودنا؟

هذه ليست أسئلة نظرية، بل أسئلة استراتيجية. لأنه عندما تعمل الأنظمة على نطاق عالمي وبسرعة رقمية، يمكن للأخطاء الصغيرة أن تنتشر بسرعة عبر المجتمعات والأسواق والمناطق بلحظة.

الحل ليس في التوقف عن الحركة. ولكن في هذا الوضع، هناك خطر حقيقي في الخلط بين الحركة والتقدم، بغض النظر عمن أو ما قد يتضرر على طول الطريق.

لذا، فإن السؤال المطروح أمام القادة اليوم ليس: كيف نبطئ التقدم؟ بل: كيف نوجهه؟

خلال طفولتي في الكويت، التحقت بمدرسة بريطانية رائعة لكنها صارمة للغاية، كان المعلمون محل احترام كبير، وتعليماتهم كانت تنفذ دون نقاش أو مساءلة.

لهذا السبب ما زلت أذكر عندما اقترح أحد الطلاب أثناء مراجعة اختبار، أن معظمنا أخطأ في الإجابة لأن سؤال المعلم لم يكن واضحاً.

في تلك اللحظة حبس الصف بأكمله أنفاسه، متوقعاً توبيخاً لاذعاً من معلمنا. لكننا فوجئنا عندما توقف وقال: "نعم، أنت محق. إنه خطئي".

في لحظة، تغيرت الكيمياء بيننا في الصف بالكامل، وفي لحظة، كسب المعلم ثقتنا. ومن تلك اللحظة أصبحت غرفة الصف المكان الذي يشعر فيه الطلاب بأكبر قدر من التشجيع لتحقيق أفضل ما لديهم وإطلاق العنان لإبداعهم.

لذا، بالنسبة للسؤال: كيف نوجه التقدم؟ أقول: بالتواضع.

التواضع يتيح لنا الاعتراف بإمكانية الخطأ، ويجبرنا على اختبار افتراضاتنا. كما يذكرنا بأن 
التمتع بالسلطة لا يعني بالضرورة امتلاك الإجابات.

أعلم أنه في زمن تتحدث فيه الآراء المطلقة بصوت أعلى مما تستطيع الآراء الدقيقة أن تفعله، قد يبدو "التواضع" وكأنه استسلام.

صحيح، التواضع فضيلة هادئة لا يعلن عن نفسه. لكنني أراه قيمة أساسية للقيادة في عالم اليوم، ليس كتردد أو شك بالنفس، بل كصدق بشأن الحدود التي تُقيدنا.

لفهم التواضع، انظر إلى عكسه: الثقة المفرطة، التكبر، تضخيم القدرات الذاتية، والعجز عن التأمل وإعادة التقييم والاعتراف بنقاط ضعفنا.

بينما يشجع التواضع على التفكير العميق… والاستعداد للتعامل مع التعقيد… والانضباط للتوقف وطرح أحد أبسط وأصعب الأسئلة: ماذا لو كنا مخطئين؟

في مجتمعات باتت تمجد اليقين المطلق والسرعة، قد يبدو هذا السؤال غير مريح. لكن الشك مهارة ضرورية للبقاء. فهو يذكّرنا بالبحث عن حلول بديلة، والنظر إلى جميع الزوايا، والانفتاح على وجهات نظر الآخرين.

بالطبع، هنالك من لا يزالون يطرحون الأسئلة الصعبة، لكنهم ليسوا كُثراً. إن الشائع اليوم هو التنافس المستمر ليس على الإتقان بل على الصدارة.

نرى ذلك في شركات تسارع إلى تطبيق الذكاء الاصطناعي دون النظر إلى آثاره المحتملة. وفي مؤسسات تستبعد الآراء المخالفة أو المتحفظة. وفي أنظمة سياسية تفضل الاعتبارات الشعبوية على المبادئ.

هذا منطقي. فأسواق المال والانتخابات والتقنيات، كلها تجذب القادة نحو الأمور الفورية. التواضع يقاوم هذا الانجذاب.

لسنوات، عملتُ مع نارايانا مورثي في مجلس إدارة مؤسسة الأمم المتحدة. أسهم مورثي في بناء شركة إنفوسيس في وقت كان فيه قطاع التكنولوجيا في الهند يواجه ضغوطاً شديدة للنمو السريع.

لكنه اختار مساراً أبطأ. أصر على اعتماد المعايير المحاسبية العالمية قبل أن تصبح شائعة في الهند.

لم تكن تلك خيارات سهلة؛ فكانت تعني تكاليف أعلى، وتوسعاً أبطأ، وطرقاً مختصرة أقل. لكن مع مرور الوقت، أثمر ذلك الانضباط حقاً. واليوم، تصنف إنفوسيس ضمن أفضل ثلاث علامات تجارية في خدمات تكنولوجيا المعلومات ليس في الهند فحسب، بل على مستوى العالم.

تلك هي قوة عقلية التواضع: فهي تعيد إلينا إحساسنا بالزمن. وتضع التقدم المستدام قبل المكاسب السريعة. وتساعد القادة على التمهل بما يكفي لتجاوز التفكير في الربع المالي المقبل أو الانتخابات القادمة، والتفكير في الأسس التي يضعونها للمستقبل.

قبل نحو ستين عاماً، كانت السمعة العالمية لشركة تويوتا تواجه تحدياً؛ إذ كانت العيوب الصغيرة تتكرر على نطاق واسع عبر خطوط الإنتاج.

ما الحل الذي اعتمدوه؟ قاموا بتركيب حبال سحب فوق كل محطة عمل، ومنحوا العمال الصلاحية لإيقاف خط الإنتاج بالكامل إذا رصدوا أي خلل.

كان أي عامل، بغض النظر عن منصبه، مخولاً بسحب الحبل وإبداء رأيه.

في البداية، تباطأ الإنتاج. وخشي المديرون من إساءة استخدام النظام. لكن ذلك لم يحدث.

تحسنت الجودة… وكذلك الثقافة. وكانت الرسالة واضحة لا لبس فيها: لكل شخص صوت مسموع، بغض النظر عن المنصب، دون مجال للغرور.

منذ ذلك الحين، استبدلت تويوتا الحبال بأزرار رقمية، وأثبتت الفكرة قوتها لدرجة أنها أصبحت سمة مميزة للتصنيع الحديث. وقد سارت شركات الطيران والرعاية الصحية وتكنولوجيا المعلومات على النهج نفسه، مانحةً كل عضو في الفريق القدرة على "سحب الحبل".

هذا هو التواضع في العمل: بناء أنظمة تنصت بهدوء. وعندما يقود القادة بهذه الطريقة، فإنهم يبنون شيئاً آخر أيضاً.

إنهم يبنون منظومات تجذب المواهب وتنميها، ويتيحون المجال للآخرين لتولي القيادة.

أعتقد أن إندرا نووي هي التي قالت: إن مهمة القائد هي توظيف أشخاص أذكى منه ثم الابتعاد عن طريقهم.

لطالما أظهرت الهند قوة التواضع من خلال أفعالها.

فعبر القرون، أكدت الحكمة الهندية أننا لا نزال نجهل الكثير، حتى ونحن نتعلم.
وهذه ليست ثقافة تساوي بين الغرور والقوة.

في ديني "الإسلام" أيضاً، يعد التواضع قيمة أساسية. فالقرآن الكريم ينهانا عن المشي في الأرض مرحاً، لأننا "لن نخرق الأرض ولن نبلغ الجبال طولاً".

وفي ظل حالة عدم اليقين التي تسود العالم، يصبح التأكيد على هذه الحكمة ليس مصدراً للطمأنينة فحسب، بل أداة عملية أيضاً.

لأنك عندما تقبل بأنك لا تعرف كل شيء، فإنك تبني بطريقة مختلفة.
وتصمم أنظمة يمكنها التوسع دون أن تنهار، وتصل إلى فئات كان يمكن أن تستبعد لولا ذلك.

ونرى ذلك عملياً هنا، وفي أنحاء الجنوب العالمي.
في قطاع الصحة، حيث تُستخدم التكنولوجيا لا لاستبدال الأطباء، بل لتحسين الوصول إلى الرعاية. وفي الزراعة، حيث تساعد الأدوات الرقمية المزارعين الصغار على إدارة المخاطر باستخدام هاتف فقط.

هذا النهج لا يتعلق بمن يصل أولاً، بل بعدد من يمكنهم الوصول معاً. إنه يتعلق باختيار القرار المسؤول بدلاً من الاكتفاء بما هو متاح.

وهو نهج مألوف لنا في الأردن.

بلدي لا يتصدر العناوين، وفي منطقتنا من العالم قد يكون ذلك أحياناً نعمة. نحن نقف عند تقاطع أزمات متعددة في منطقتنا. وقد صمدنا لا لأننا اعتبرنا الاستقرار أمراً مسلّماً به، بل لأننا تكيفنا مع عدم اليقين. وخلال كل ذلك، تمسكنا بكرامة الإنسان، حتى عندما كان الثمن باهظاً والتقدير ضئيلاً.

هذا هو الأردن الذي أفخر بأنه وطني. شريك موثوق وصادق في عالم معقد. قد نكون بلداً صغيراً، لكن ما يميزنا هو ما ندافع عنه ونؤمن به. ولهذا، في نظري، يقف الأردن شامخاً.

ما تُظهره تجاربنا سواء الهند أو الأردن هو أن التواضع ليس مجرد موقف، بل هو أسلوب عمل. إنه يضع الصمود والكرامة الإنسانية في قلب التقدم، ويحول دون تحويلهما إلى تنازلات.

وفي عالم يتسم بالمخاطر المشتركة، أصبح هذا النهج ميزة عالمية.

في كثير من الأحيان، الأصوات الأعلى أو الأقوى تهيمن على الحوارات العالمية. بينما العبء الأكبر لتلك القرارات، سيقع على الفئات الأقل قدرة على تحمل تبعاتها،
هنا في الجنوب العالمي.

نحن بحاجة إلى جميع أصواتنا. وجميع وجهات نظرنا. ليس فقط في مجالي الأعمال والتكنولوجيا، بل في الطريقة التي نسعى بها إلى مصيرنا المشترك كبشر. لأنه عندما يُقصى من يتحملون العبء الأكبر من المخاطر، تبقى الأخطاء بلا مساءلة، وتتسع دائرة الفشل.

وعندما يتحدث الجنوب العالمي بوضوح، فإنه يعيد النقاشات العالمية إلى أرض الواقع المعاش. في الكفاح… وفي الصمود… وفي الإصرار على النهوض دون نسيان نقطة البداية.

اسمحوا لي أن أختتم ببساطة.

إن التواضع ليس مثالية، بل استجابة واقعية للعالم كما هو. وهو لا يعني رفض التقدم، بل منع التقدم من تجاوز حدود المسؤولية. ولا يعني رفض الطموح أو الابتكار، لكنه يجعلنا صادقين إزاء عواقبهما.

لا أدّعي امتلاك جميع الإجابات، ولا أحد منا كذلك. لكن إذا اعترفنا بذلك بصدق، وقضينا وقتاً أطول قليلاً في الإصغاء والتعلّم، فستكون لدينا فرصة أفضل بكثير للعثور على الحلول الأنسب… للجميع.

قد لا يبدو ذلك بالأمر العظيم أو اللافت. لكنه في عالم بهذه الدرجة من التعقيد، قد يكون بالضبط ما نحتاجه.

شكراً لكم.