مقابلة الملكة رانيا مع صحيفة كوريرا دي لاسيرا

09 شباط 2007

 الجمعة، 9 شباط 2007حوار مع انطونيو فراري
كوريرا دي لاسير، 2007

 ما الذي يتوجب عمله لجسر الهوة بين الشرق والغرب في أيامنا هذه؟

هناك الكثير من التنوع في بلداننا في هذه الأيام، فالعديد من الناس الذين لهم خلفيات وجغرافيات مختلفة، وتاريخ مختلف... يجتمعون معا الآن ويشتركون في الحدود ذاتها، ولذا غدت قضية التعدد الثقافي غاية في الأهمية، وعلينا أن نتأمل في كيفية الحفاظ على التناغم الاجتماعي وسط مثل هذا التنوع؛ وكما أعتقد فالأهم من ذلك كله هو أن نركز على قيم التواصل فيما بيننا، وعلى الانخراط معا في عمل مشترك، وان يكون هناك تفاعل بيننا، وان نتسلح بالمعرفة عن مختلف الشعوب. ومن خلال هذا، ومن خلال المعرفة المشتركة وبناء الاحترام، يمكنك عند إذٍ أن تحظى بالقبول. وأنا أقول دائما إن التعدد الثقافي لا يعني مجرد الوجود في الجوار، بل اعتقد أن عليك أن تطرق الباب وتدخل بيت جارك، هذا هو المقصود بالتعدد الثقافي... التفاعل، اعني أن التسامح جيد ولكنه غير كافٍ، إذ علينا أن ننقله إلى المستوى التالي ونتطلع إلى شيء أسمى، وهو أن يقبل الناس بعضهم بعضا.

 

أنت تصرين على هذه المعرفة وهذا القبول منذ زمن ... وأنا اذكر ذلك عندما أتيحت لي الفرصة لإجراء لقاء معك عام 2001، بعد 11/ 9. فأحيانا يتكون لدينا الانطباع لا بأننا – أي الغرب والعالم الإسلامي – لا نعرف بعضنا فحسب، بل وأيضا بأننا لا نريد أن نعرف الآخر فما الذي يمكن عمله للتأكيد على هذا الحوار، هذه المعرفة المشتركة بين الناس؟

اعتقد انك محق. فالناس أحيانا لا يريد واحدهم معرفة الآخر ... واعتقد أن ما حدث هو أننا تركنا القوالب المنمطة تنتشر على نطاق واسع بين الناس، ونحن نعتمد على هذه القوالب المنمطة مع أنها ليست أكثر من طريق مختصر يحرمنا من تكوين المنظور الدقيق الصحيح عن الناس، ولأننا نكتفي باستعمال النعوت التي هي نعوت غاية في السطحية؛ ونتيجة لاعتمادنا على هذه النعوت، نضع أنفسنا في قوقعة صغيرة ولا نتواصل؛ ولذا فمن الأهمية بمكان لنا أن نحطم حواجز عدم الثقة والشك هذه. واعتقد أن ما يحدث هو انه عندما يعتمد الناس على القوالب المنمطة، يتكون لديهم شعور بعدم الثقة والشك فيما بينهم، ولذلك يغدون في حال لا يريدون معها أن يكون بينهم تفاعل وقبول. واعتقد أن الحل يكمن في أن يسلح الناس أنفسهم بالمعرفة؛ ولكن المعرفة ليست كافية، فالمعرفة بالآخر ليست كافية. يتوجب علينا أن نتواصل وان نتفاعل، وان يخرج كل منا من ركنه المريح. فمن السهولة بمكان لنا أن نتقوقع ونعمل على خلق الحواجز، وان لا نتواصل مع الآخرين، مع المجهول. واعتقد أن علينا أن نغامر ونتواصل مع المجهول. وعندما نقوم بذلك، سنتبين مدى التشابه بيننا وبين مَنْ يسمون بالآخرين. ففي نهاية المطاف اعتقد أن ما يجمعنا جميعا هو إنسانيتنا، وسمات التشابه بيننا. فلدينا جميعا ذات القضايا والتطلعات والتحديات، ونحن جميعا نريد الأشياء ذاتها لأنفسنا ولأولادنا. واعتقد انه من خلال التواصل فقط، بحيث نخرج من ركننا المريح ونتجه إلى الآخر، يمكننا فعلا أن نتبين سمات التشابه بيننا.

هل تشعرين، يا صاحبة الجلالة، اليوم في العالم، في عالمنا، وفي العالم الإسلامي أن هناك إرادة ليعرف واحدنا الآخر ... هل أنت متفائلة في هذا المناخ، أم انك متشائمة؟

اعتقد أن الإرادة ستتأتى من الحاجة، وهناك بالتأكيد حاجة. وكما تعلم إذا ما نظرت إلى عالمنا اليوم، سترى العديد من الانقسامات وعوامل الفُرَقة، وهناك كمٌ هائل من عدم الثقة، وكم هائل من الشك، وهذا يقود إلى عالم مجزأ، مما يؤدي في النهاية إلى أفعال خطرة، أفعال قوامها التطرف، وعدم التسامح، وأحيانا الإرهاب، ولهذا فهي تؤثر في حياتنا. واعتقد، كما قلت، انه كي يتسنى للمجتمعات أن تحقق النجاح في القرن الحادي والعشرين، فعليها فعلا أن تضم أناسا متنوعين من خلفيات متنوعة؛ وعليها فعلا أن تنجح في التعدد الثقافي؛ واعتقد أن تلك الحاجة ستكون الدافع أو السبب الذي سيجعل الناس يتواصلون، واحدهم مع الآخر، ويحاولون أن يخترقوا حاجز سوء الفهم. واعتقد، كما تعلم، أن هناك بين المعتدلين إرادة للتواصل؛ هناك إرادة لإيجاد جسور للتفاهم، ولكن أصوات المعتدلين لا تُسْمع أحيانا، واعتقد انه يتوجب عليهم أن ينهضوا وان يكونوا مبادرين بدرجة اكبر، ويفرضوا رسالتهم بقوة اشد، وان يعملوا فعلا على إسكات أصوات المتطرفين من خلال تشجيع الروابط القوية وتمتينها.

قمت بمسيرة كبرى في عمان ضد العنف، وضد الإرهاب، وكانت هذه هي أول مرة يرسل فيها بلد عربي مثل هذه الرسالة. ألا تعتقدين انه يستحسن أن يرسل مثل هذا النوع من الرسائل من بلدان عربية أخرى؟

تماما، واعتقد أننا نشعر أحيانا في العالم العربي بالإحباط وخيبة الأمل بسبب بعض القوالب المنمطة التي يوضع فيها المسلمون والعرب، ويكون رد فعلنا أحيانا مشوبا بالغضب عندما يتهمنا الناس بأننا عنيفون أو متطرفون. واعتقد أن المسؤولية تقع على عاتقنا، في المقام الأول، كي نتصدى لهذا ونوضح مَنْ نحن فعلا كعرب ومسلمين وان نحاول أن نبين للعالم ماهية قيمنا، وما نؤمن به، وأن نبين للعالم أن احتمال ان نكون ضحية للأعمال الإرهابية يساوي نفس الاحتمال بأن يكون غير المسلمين ضحية لهذه الأعمال. وفي الواقع، عندما تنظر إلى الأعمال الإرهابية التي وقعت على مدى السنوات القليلة الماضية ستجد أن غالبية الضحايا كانت من المسلمين. وعلينا أن نتبين أننا في هذا معا. فهذه ليست معركة بين المسلمين وغير المسلمين، بل هي معركة بين المتطرفين من جميع الأديان، والمعتدلين من جميع الأديان. ويجب أن ننظر بهذا المنظار للخطوط التي تحدد أطر هذه المعركة، وبهذه الكيفية علينا أن نعرف أنفسنا.

... إن الشيء المهم هو التواصل مع الناس، والحصول على مساعدة الناس الآخرين ودعمهم في هذه المعركة؟

تماما، واعتقد أن هذا ليس تحديا لا يمكن تجاوزه في هذا القرن، كما انه ليس بالعمل المُثْبط للهمم بصورة تًقْعِدنا عن التفكر والتأمل؛ وهو أمر لا ينجزه شخص بمفرده ولا اثنان، بل اعتقد انه لا بد أن يكون نتاج ثقافة قوامها المبادرة، ثقافة قوامها التصدي ومحاولة إيضاح قيم الاعتدال. لا بد ان تكون على شكل حركة، وآمل، كما تعلم، ان نتمكن في العالم الإسلامي من البدء في تقبل التنوع في نطاق الإسلام أولا والمزيد من التسامح في نطاق الإسلام، ومن ثم نتجاوز ذلك إلى التواصل مع باقي العالم بقيم القبول للآخر والنظرة التي تتصف بالاعتدال.

صاحبة الجلالة، في إيطاليا وفي فرنسا، وفي بلدان أخرى تدور مناقشات كثيرة حول الحجاب، وهناك الكثير من فوضى الفهم ... والكثير من الجهل حول معنى الحجاب؛ ربما كنا لا نفهم ما يعنيه الحجاب، أو انك لم تكوني ميالة لتوضيح ما يعنيه، لأنني اعتقد أن البعض يرى في الحجاب رمزا سياسيا، ويعطيه وزنا لهذا لا لما هو الحجاب فعلا... أين تجدين المشكلة في سوء الفهم في هذا؟

لسوء الحظ، ولان الإسلام جرى وضعه في موضع شبهة على مدى السنوات القليلة الماضية، بدأ الناس ينظرون إلى الحجاب على انه قضية سياسية؛ ولسوء الحظ حصل هذا؛ لكن ما يهم في الأمر أن الحجاب هو رمز للتقوى، والتواضع والإيمان بالله تعالى؛ وأحيانا تضع بعض النساء الحجاب لأنه هو الزي المقبول اجتماعيا في محيطهن؛ ولكن يجب أن لا يُنْظر إليه أبدا على انه أمر يُحْدث الشقاق في المجتمعات؛ واشعر أحيانا ان هناك الكثير من الأحكام التي تُطْلق على النساء استنادا إلى زيهن. وأقول دائما علينا ان لا نحكم على النساء بما يضعنه على رؤوسهن بل بما يحملنه من أفكار داخل رؤوسهن.

انه لأمر في منتهى الخطورة أن نبدأ بوضع افتراضات حول شخص ما استنادا إلى مظهره الخارجي. فعندما انظر إلى الناس في العالم العربي، أو عندما أسافر خارج العالم العربي، أحاول ان أُصْدر أحكامي على كيفية تفكيرهم، وما يفعلونه، والقيم التي يحملونها، لا على ما يلبسون. انه لأمر خطر فعلا أن تصدر أحكاما تستند إلى ما يلبسه الناس.

ولان العديد من المجتمعات الإسلامية تشعر إنها مهمشة، وتشعر بأنه لم يتم إدماجها بصورة جيدة في بعض المجتمعات الأوروبية وفي أمكنة أخرى، ولان بعض السلطات تنظر إلى الإسلام بنظرات مِلْؤها الشك والريبة، فان هذه القضية غدت لسوء الحظ مُسَيسة إلى درجة كبيرة، بحيث تحمل في طياتها الكثير من الرمزية السياسية؛ وهذا أمر علينا مكافحته لأنه يجب ان لا يحمل مضامين سياسية. ان شكل ملابس المرأة يجب ان لا يُعْطى مثل هذا البُعد السياسي. فهو تعبير عن العلاقة بين المرأة وخالقها تبارك وتعالى، واعتقد انه على المجتمعات في نهاية المطاف ان تتقبل الحقيقة المتمثلة في اننا سنكون، في عالم اليوم، مختلفين، من الداخل ومن الخارج، ولكن تظل الفكرة التي نسعى إليها مع ذلك هي إيجاد التناغم والانسجام.

ولكن بالطبع لا يمكن قبول الإكراه في الإسلام؟

لا إكراه في الإسلام. ولا يفترض بك في الإسلام ان تكره أي شخص آخر على الإيمان، وكما قلت، فان الإسلام يدور كله حول الإيمان بهذا الدين، وإذا ما أَكرهت شخصا على القيام بشيء لا يؤمن به فان هذا يكون ضد جوهر ما يقوم عليه الإسلام أصلا. فالإسلام يقوم إلى درجة كبيرة على النيات.