مقابلة الملكة رانيا مع مجلة "ذي اكس برس الفرنسية" (في اللغة العربية)

21 كانون الثاني 2015

 

سؤال: ماذا تقول جلالة الملكة بعد أسبوعين من هجمات باريس الارهابية والمسيرة التاريخية التي شاركتم بها بحضور الرئيس الفرنسي؟
أقدر الصدمة والخسارة التي يشعر بها الفرنسيون.

هناك شعور بعدم الثقة والخوف عندما ينتهك أحد مكان عملك، أو منزلك، أو أي مكان عام في بلدك ويرتكب مثل هذه الجرائم. أتفهم ذلك لأنه، وللأسف، تلك هي حقيقة يومية ومؤلمة في العديد من أرجاء العالم العربي، من سوريا إلى العراق وفلسطين ولبنان وغيرها. وعلى الرغم من مرور أكثر من تسع سنوات، بالتأكيد لن أنسى ولن ينسى أحد أبداً في الأردن تفجيرات عمان.. فقدنا 60 روحاً بريئة في ذلك اليوم المأساوي. المجموعات المتطرفة قتلت الالاف والالاف من الأبرياء، والحقيقة ان غالبية الضحايا هم من المسلمين.

أعتقد أن ما نواجهه اليوم هو صراع بين المعتدلين والمتطرفين، ليس في الشرق الأوسط فقط، لكن في العالم بأكمله. ولذلك حملت المسيرة رسالة في غاية الأهمية وهي الاتحاد العالمي ضد ايديولوجية الكراهية.

سؤال: هل هناك مشهد أو لحظة لن تنسيها أبداً؟

هذه الزيارة الأولى لي لفرنسا في مثل هذه الظروف المؤسفة. مع خروجي من الطائرة، قلت في نفسي أنني هنا هذه المرة للوقوف إلى جانب فرنسا، وخصوصاً أنها وقفت إلى جانبنا في أوقات صعبة، وفي مراحل مختلفة من التاريخ، آخرها موقف البرلمان الفرنسي المشرف في الاعتراف بالدولة الفلسطينية.

ليس هناك شيء أقوى من أن يجتمع العالم متحداً بشعور مشترك، وهو هذه المرة رفض الكراهية. وهذا بالضبط ما لا يريده المتطرفون. إنهم يريدون رؤية العالم منقسم. ويريدون نشر الخوف والشك. وفي ذلك اليوم، أثبت العالم أنهم مخطئون. وعلينا أن نستمر في إثبات ذلك.

سؤال: قررت شارلي ايبدو نشر كاريكتورات جديدة للنبي محمد. ما هي ردة فعلك على ذلك؟


أعتقد أنه من المهم توضيح شيء هنا. كل دين لديه معتقداته وتعاليمه الخاصة به. قد لا يتفق البعض معها، ولكن احتراماً وتقديراً لانسانيتنا المشتركة، يجب على الجميع احترام هذه المعتقدات. في الاسلام، وبكل بساطة، من غير المقبول أن يتم تجسيد الأنبياء (ليس الرسول محمد صلى الله عليه وسلم فقط) بأي طريقة كانت سواء بالرسم، أو الكاريكاتور، أو كتمثال، على الشاشة أو ضمن أي سياق كان، بغض النظر عن الهدف إن كان بقصد التقدير أو للفكاهة أو السخرية أو أي أمر آخر. احترام الأنبياء هو مبدأ رئيسي لديننا. فعلى سبيل المثال مؤخراً، مُنع فيلم (خروج: الآلهة والملوك – اكسودس) في عدة دول عربية لأنه تم اعتباره على أنه لا يظهر احتراماً كافياً لمكانة النبي موسى عليه السلام. لهذا، كمسلمة، أنا ضد هذه الرسومات، وأشعر بالاهانة والألم لعدم احترام ما نؤمن به. للمسلمين الرسول محمد صلى الله عليه وسلم هو معلم وهو قائد عظيم وخاتم الأنبياء.

والمزيد من تلك الرسومات يعمق عدم الثقة ويحرض على التحامل، في وقت علينا فيه أن نعزز التسامح والتفاهم. بالتأكيد هناك توازن يتوجب ايجاده بين حرية التعبير وحماية كرامة وحرمة الدين، ولا يجب أن يكون الدافع لذلك هو الخوف، بل يجب أن يقوده الاحترام والتفاهم. منذ الهجمات، شعر الكثيرون من العالم العربي باستياء من ازدواجية المعايير عندما يتعلق الأمر بحرية التعبير. لماذا يتم اعتبارها حرية تعبير عندما يتعلق الأمر بالاسلام، بينما يتم اعتبارها أمراً محرماً وخطاً أحمر عندما تكون المسألة مختلفة؟

لنكن واضحين، لا يجوز استخدام العنف. الناس، سواء كانوا مسلمين أو غير ذلك، لهم الحق الكامل في الشعور بالاستياء، والتعبير عن الرفض، والشجب، والانتقاد، والاحتجاج، ولكن يجب القيام بذلك باحترام وبطريقة سلمية.

وهذا بالضبط ما فعله المسلمون، باستثناء أربعة أفراد – هم منفذو الهجمات وقلة ممن يتعاطفون معهم. وهم بالفعل: أقلية من الأفراد. إنهم لا يمثلون دين كامل. في الحقيقة، أعمالهم تتعارض مع تعاليم الاسلام – الدين السمح الذي يعطي قيمة وقدسية لحياة الانسان باعتبارها فوق كل شيء آخر. كما أنهم لا يمثلون الملايين من المسلمين حول العالم الذين يشجبون الارهاب. ربط دين بأكمله وجميع أتباعه معه بأعمال أقلية هو أمر خاطئ. ولوم الاسلام عليها هو تحامل. لا يمكن لـ 1,6 مليار مسلم أن يتحملوا المسؤولية الجماعية لأعمال هذه الاقلية.

سؤال: كيف ترين وجود المسلمين في الدول الغربية؟ فرصة، استفهام، تحدي؟


اعتقد انها واقع، وحقيقة تمثل فرصة. تخوفي هو أننا نرى تزايداً في الريبة والصور النمطية السلبية عن العرب والمسلمين في الغرب.

ولكنك بمعرفة مسلم، عندما يكون جارك مسلماً أو زميلك في العمل، يمكن لذلك أن يزيل هذه المفاهيم الخاطئة بسرعة. من السهل جداً أن تسيء الظن بالناس الذين لا تعرفهم، ولكن بمجرد أن تتاح لك الفرصة للتفاعل والتعامل معهم، كمشاركتهم وجبة أو حديث، تختلف الأمور. والاكثر أهمية، أن المسلمين ليسوا مختلفين عن غيرهم من الناس. لدينا نفس المتطلبات التي لدى اي شخص، نحب أولادنا ونريد الأفضل لهم، ونهتم بجيراننا، ونعمل بجد، ونتطلع لعطلة نهاية الاسبوع! التجارب والتعاملات الشخصية يمكن ان تساعد في طمس سطور الانقسام بين "نحن وهم". عندما يتعلق الامر بالامور المهمة لنا جميعاً، نحن لسنا مختلفين الى هذه الدرجة. وبالطبع، الامر ينطبق على كلا الجانبين... حتى يتحقق هذا، على الطرفين مسؤولية: الاقلية يجب ان تتفاعل وتساهم بطريقة ايجابية في البيئة المحيطة بها، وعلى الدول أن تعمل بجد لدمج الاقليات بمساواة واحترام كاملين لثقافتهم وتقاليدهم. أن تصبح مجتمعاتنا مزيجاً متنوعاً من الاديان والاعراق والثقافات المختلفة، هو واقع لا يمكننا تجاوزه في عصر العولمة الذي يفرض هذه الحقيقة. وتحقيق العدالة والتوازن هو الوسيلة الأمثل للعيش في انسجام اجتماعي.

سؤال: هل تعتقدين أن المسلمين الاوروبين يمكن ان يعطوا تعريفا جديدا للعلاقة بين الدين والحداثة، وبين الدين والديمقراطية؟


لا أشعر أبداً أن هناك تعارضاً بين الدين والحداثة، والدين بالتأكيد لا يتعارض مع الديمقراطية. في الحقيقة، اعتقد ان العديد من قيم ديننا – كالمساواة، والتسامح، والمغفرة، والحوار، والسلام، والاهتمام بالتعلم، والتقدم، والعمل الجاد – لها أن تساهم في مواجهة بعض التحديات التي نواجهها في العالم العربي اليوم.

بالنسبة لي، الحداثة تعني التقدم. لا تعني أن نتخلى عن هويتنا في تقليد أعمى لثقافات أخرى. انها تعني التواصل مع العالم والتفاعل معه والانفتاح عليه. وهذا لا يأتي على حساب الدين أو الهوية. اعتقد ان الاردن هو خير مثال على دولة في الشرق الاوسط متجذرة بصلابة في هويتها العربية والمسلمة وفي الوقت ذاته تتبنى الحداثة بشكل كامل.

سؤال: اكثر من 40 رئيس دولة وحكومة كانوا في باريس. من بينهم بعض الدول المشاركة في دعم مجموعات متطرفة. كيف يمكن تغيير وجهات النظر الاستراتيجية في الشرق الاوسط؟


ليس لي التعليق على سياسات دول أخرى، لكن، بشكل عام، الخطر الذي يجب على الشرق الاوسط بأجمعه مواجهته بشكل سريع هو التطرف، ولا اعني التطرف الديني فقط لكن التطرف السياسي أيضاً. هدفنا هو ضمان الامان والحماية لشعوبنا ضد أعمال العنف التي يقوم بها المتطرفون، بالإضافة إلى ذلك علينا الدفاع عن الصورة والقيم الحقيقية لديننا وعدم السماح للمتطرفين أن يحتكروا صياغة الرواية عن الاسلام.

سؤال: بلدك، الاردن يعاني من التأثيرات الجانبية للحرب السورية. كيف ترين تطور النزاع في سوريا؟


من المحزن على مدى السنوات القليلة الماضية، رؤية الدمار في سوريا والمأساة الانسانية التي تفطر القلب هناك. فقد مئات الالاف أرواحهم، واكثر بكثير نزحوا. وبالرغم من الحقائق الصادمة، أتخوف من أن العالم يغفل عن المعاناة الانسانية، وحمل اللاجئين الكبير على الدول المستضيفة مثل الاردن ولبنان.

كما ذكرت، الاردن شعر بالآثار الممتدة للنزاع. اليوم، نستضيف اكثر من 1,3 مليون سوري، وهذا يعادل 20% من عدد سكان الاردن. وكأن سكان بلجيكا بأكملهم انتقلوا الى فرنسا. هذا حمل هائل على دولة مثل الاردن، اجتماعياً، واقتصادياً وحتى على المستوى الامني. الاردن كان وسيبقى دوماً، ملاذاً لأولئك الذين يفرون من الخطر وانعدام الامن. لكن تأثير الازمة اكبر بكثير من قدرتنا لتحملها. بالطبع، كانت هناك تبرعات سخية، وفرنسا كانت داعمة جداً، ولكن ما يزال هناك كثير من النقص في تغطية احتياجات الامم المتحدة ووكالات العون الاخرى في الدول المستضيفة.

سؤال: ولدت لعائلة فلسطينية. ما هو الحل للسؤال الفلسطيني، في ظل تعثر المفاوضات حالياً؟


واحد من اكثر المخاطر التي يواجهها عالمنا اليوم هو الاستقطاب السياسي المتنامي – من ناحية، والتطرف الديني من ناحية أخرى. وما يثير الاستغراب هو أن كل واحد منهما يغذي الآخر. قبل سنوات عديدة، كان هناك العديد ممن آمنوا وجعلوا هدف حياتهم السعي من اجل الحل السلمي للقضية الفلسطينية. وللأسف، تقلصت أعدادهم خلال السنوات الماضية، حتى أنه تم تهميشهم مقابل تزايد الآراء السياسية المتطرفة التي باتت تسيطر على المشهد وتحقق انتصارات قصيرة المدى قائمة على عدم الاعتراف بحقوق الانسان وعدم احترام الانسانية وتغذي مخاوف الناس، وهذا لا يمكن أن يخدم البعد الاستراتيجي طويل المدى لأي دولة.

الحل على أساس الدولتين هو الخيار الوحيد. وبغير ذلك، البديل هو المعاناة المستمرة. إن لم يعد الطرفان الى طاولة المفاوضات، وانهاء النزاع بطريقة دائمة وعادلة، سنتحدث عن حرب خامسة وسادسة وسابعة على غزة.

سؤال: هل تعتقدين أن النساء يمكن أن يساهمن في بناء السلام بين اسرائيل وفلسطين؟


اعتقد ان النساء يمكن ان يساهمن في بناء السلام لجميع النزاعات... الكثير من الامهات خسرن ابنائهن وبناتهن في النزاع الفلسطيني-الاسرائيلي. والعديد من الفتيات شاهدن آبائهن وأخوانهن يضربون، يسجنون، أو ينفون. نساء فلسطينيات واسرائيليات عملن معاً لسنوات لإنهاء النزاع. ما تنادي به مبادراتهن الشعبية هو مستقبل مزدهر لابنائهن، وأنفسهن. من خلال الحوار، والزيارات والتعاون والتظاهر هؤلاء النساء يبنون السلام معاً...