مقابلة الملكة رانيا مع مجلة هالو العربية

01 تموز 2015

بسم الله الرحمن الرحيم

من الملاحظ، أن سمو الأميرة إيمان ترافقكم أحيانا في النشاطات الخيرية، فهل تحرصون من خلال ذلك على تعويد أبنائكم على أهمية الانخراط في العمل الإنساني؟

التواصل والعطاء سمة الهاشميين، يتوارثونها أبا عن جد. ولهاذا أشجع على أن يرافقني ابنائي في النشاطات التي فيها تواصل مع أبناء الوطن، لتنمي فيهم الإحساس بالمسؤولية تجاه مجتمعهم وأبناء وطنهم وشعبهم. كما أعتقد أن تدريب الأطفال على الإيثار والعطاء والمشاركة والإحساس بالمسؤولية الاجتماعية نحو الآخرين ووطنهم واجب علينا جميعا. لأن الانخراط في العمل العام من أجل الغير، سيشعر الطفل وبالتالي الفرد، بأن مجتمعه جزء من مسؤوليته، وهو أمر في غاية الأهمية، وأتمنى أن يكبر كل طفل أردني وهو يؤمن بأن لديه ما يعطيه، وأن ما لديه ذو قيمة وإضافة لنفسه ومجتمعه، وعلى رأس العطاء الوقت والهمة.

تمر شعوب المنطقة العربية بأوضاع أمنية وسياسية صعبة، كيف تقيمون واقع التعليم والمدارس في الدول العربية التي تعاني حالياً من الحروب؟

للأسف الوطن العربي يتمزق من الداخل، والاطفال هم الضحايا لأنهم الأكثر تأثرا بالصراعات وعدم الاستقرار الأمني والمعيشي. هناك مئات الآلاف من الأطفال العرب خارج المدارس بسبب النزاعات والتشرد واللجوء وانعدام الأمن. فعلى الرغم من أن التعليم أول ضحايا الحروب والنزاعات إلا أنه من آخر أولويات إعادة الإعمار.

 وما بين الدمار والإعمار ينشأ جيل ممزق وغير مؤهل، وبالتأكيد لن يكون قادرا على النهوض بوطنه على أسس متينة. للأسف؛ الحروب تعود بالأوطان عادة إلى نقطة الصفر، وتتركها دون الأدوات اللازمة لإعادة إعمارها. فالتعليم هو الأداة الرئيسية لتأهيلهم ليواجهوا تحديات الواقع، وتمكينهم من إعادة إعمار أوطانهم بعد أن يعم السلام فيها، أو يعودوا إليها من  تشردهم أو تهجيرهم.

لاشك في أنّ المملكة الأردنية قد استضافت عدداً كبيراً من النازحين واللاجئين في السنوات الماضية، فما هي الخطوات الإنسانية التي حرصتم على القيام بها في هذا المجال؟

 الأردن لدول الجوار هو السند الذي يمكن الاعتماد عليه في كل الظروف رغم صغر حجمه وقلة موارده. فهو يعمل جاهدا لاستيعاب من يلجأ إليه، ولم يبخل الأردنيون على أشقائهم بشيء يستطيعونه.. فتحنا أبوابنا وتشاركنا مع اللاجئين في قوتنا ومواردنا ومدارسنا ومستشفياتنا. فبلدنا هو الملاذ الآمن في محيط مضطرب وهو بحمد الله استطاع أن يغير واقع الملايين من النازحين والمهجرين بمنحهم فرصة العيش بأمان، وهذا حال الأردن منذ عقود ومع كل من قصده..ولكن كثافة اللجوء السوري تستنزف قدراتنا، فالتواجد السوري في الاردن يشكل اكثر من 20% من عدد السكان ويتشاركون مع الأردنيين في كل شيء في بلد ضعيف الإمكانات أصلا.

 وبالتأكيد، وصلتنا تبرعات ومساعدات ، لكن لا زال هناك عجز كبير في الكلفة التي قدرتها الامم المتحدة لتغطية تكاليف استضافة اللاجئين في الدول المضيفة. أي أن هناك عجز واضح في العطاء الإنساني. فاحتياجات الدول المضيفة لسداد نفقات استضافة اللاجئين تفوق عطاء المنظمات والدول المانحة بكثير، رغم أن الدول المضيفة تنهض بهذه المسؤولية الكبيرة والمكلفة نيابة عن الإنسانية عموما.

لقد شاركتم مؤخراً في عدة مسيرات داخل الأردن وخارجها ضد الإرهاب، فما هو موقفكم اليوم من الإرهاب، وكيف تساهمون سلمياً وإنسانياً بمحاربته؟

المشاركة في تلك المسيرات هو تأكيد لموقفنا الداعي لضرورة توحيد الصفوف مع المجتمع الدولي لمقاومة الإرهاب والتطرف ووقفة دفاع عن ديننا الحنيف وقيمنا الإنسانية المشتركة، والتي في صلبها احترام قدسية الحياة وتقبل الإختلاف. فالأردن كان وسيظل بإذن الله أنموذجا يحتذى به على التعايش والسلم. وقد زاد إصرار الأردن على محاربة الإرهاب واجتثاثه بعد استشهاد البطل معاذ الكساسبة بشكل وحشي على يد المجرمين الإرهابيين، فكان لذلك الجرح الدامي والعميق أكبر الأثر في نفوس الأردنيين جميعا.

وهذا ما يؤكد عليه جلالة الملك عبد الله الثاني، فقد أعلن وكرر بأن الحرب على التنظيمات الإرهابية والفكر المتطرف هي حربنا، ولابد لنا من الدفاع عن أنفسنا وعن الإسلام وعن قيم التسامح والاعتدال، وأن كل من يؤيد هذا الفكر التكفيري المتطرف هو عدو للإسلام وعدوٌ للأردن. وبلدنا عضو فاعل في تحالف دولي يشن حربا شرسة على أعداء الإسلام الإرهابيين.

اهتمام جلالتكم بالعمل الإنساني شمل كافة جوانب المجتمع الأردني بما في ذلك رعاية الأيتام والعجزة، وحماية الأطفال، ودعم المعلمين والتلاميذ، والاهتمام بالبيئة.. هل من مشروع إنساني آخر تعمل جلالة الملكة رانيا على تنفيذه؟

معظم المبادرات التي قمت بها أو أعمل عليها تندرج تحت هدف واحد وهو :إعطاء الفرص، لإيماني بأن تكافؤ الفرص هو الوسيلة الأنجح لتمكين المجتمعات بطريقة مستدامة.

 لهذا أركز على التعليم باعتباره العامل الأكثر تأثيرا والقادر على تغيير حياة الفرد بشكل جذري وهو اللبنة الأولى لحياة كريمة.

وقد أثبتت التجارب بأن النقلات النوعية للفرد أو حتى المجتمع تحدث عادة حين تلتقي الحاجة بالفرصة.

واليوم نحن في أمس الحاجة لتعليم نوعي في العالم العربي كله؛ وفرصتنا هي التعلم عبر الإنترنت. للإرتقاء بالمعرفة العربية، والنهوض بكوادرها.

ولهذا أطلقت العام الماضي منصة "إدراك". وهي منصة عربية إلكترونية غير ربحية للمساقات المفتوحة. تم تطويرها تحت إسم إدراك بالشراكة مع "إد إكس" وهي المؤسسة المختصة في هذا المجال التي أقامتها جامعتا هارفرد و معهد ماسشوستس للتكنولوجيا. وتحوي مساقات تعليمية يحصل المتعلم على شهادة عند اتمامها. وهذه المساقات إما تم تطويرها باللغة العربية بالتعاون مع أفضل الأكاديمين العرب، أو تمت ترجمتها للعربية عن مساقات متميزة نوعيًا تدّرس في جامعات عالمية. وهناك أيضا مساقات قصيرة يقوم عليها محترفون وخبراء عرب في مجالات مختلفة من الفنون والعلوم.

 فالتعليم النوعي المفتوح والمتاح عبر الإنترنت قادر على الوصول إلى ملايين العرب في الوقت نفسه ومجانا. ويمكنه تقديم حلول سريعة وفعّالة لتعليم الفكر الخلاق والمهارات المهنية التي يتطلبها سوق العمل من الخريجين، ولا توفرها نظم التعليم العربية الحالية حتى في أحسن حالاتها.

من الواضح أنّ العمل الإنساني يستأثر بالكثير من وقت جلالتكم، أفلا يؤثر ذلك على الوقت الذي تمضونه مع عائلتكم؟

لكل شيء ثمن؛ وحالي مثل أي إمرأة عاملة تحاول أن توفق بين عملها وواجباتها الأسرية. لكن يظل وقت العائلة هو الأولوية. ومن ناحية أخرى أعتبر عملي من أجل مجتمعي واجبا وجزءا كبيرا من حياتي وأشعر بالمسؤولية الكبيرة والرغبة لإنجازه. فقد أنعم علي سبحانه وتعالى حين وضعني في مكان أستطيع من خلاله التأثير في حياة الناس، لكن مع المقدرة تأتي المسؤوليات. وأولادي لم يعودوا أطفالا صغارا، وهم يقدّرون الأعمال التي أقوم بها، بل ويحرصون على المشاركة في كثير منها.

فحين كانوا صغارا كان من الضروري تخصيص الوقت الأكبر لهم، لكنهم الآن مشغولون بدراستهم وأصدقائهم. ابني الكبير الأمير الحسين بن عبدالله ولي العهد يدرس في الجامعة، والأميرة إيمان كذلك.

تم وصفكم ب"ملكة التواصل الإجتماعي" فكنت أول ملكة في العالم تطلق صفحات خاصة بها تكتب وتتواصل من خلالها عبر الإنترنت مثل فيس بوك وتويتر وانستغرام أيضا... ما الذي دفعكم  إلى ذلك مع أنها خطوة قد يراها البعض جريئة لملكة؟

ربما رآها البعض جرأة في حينها، لكن الآن أصبح الإنترنت ومواقع التواصل ابرز عناصر التواصل العصري، الذي يستطيع من خلالها الفرد الاطلاع على كل جديد، والمشاركة بالحوار وتقديم نفسه للعالم. ومن خلال هذه الادوات اشعر بقربي من الاخرين وبقربهم لي ويكسر الكثير من الحواجز.

 ومن خلال التواصل عبر هذه المواقع، أدركت أهمية المشاركة في الخبرات والأفكار ، وعلى الرغم من أني لا زلت أتفاعل من خلال جميع صفحاتي وجدت انستغرام طريقة سهلة وخفيفة لأشارك أصدقائي وعائلتي الكبيرة بالأشياء التي تهمني وببعض ما أقوم به خلال يومي، ولاقدم لهم المملكة الأردنية الهاشمية، وجمالها وأهلها المميزين ليروا الأردن بعيني، والصورة عن ألف كلمة كما يقال. @Queenrania

كيف تصفون غد المملكة الأردنية المشرق؟

الغد المشرق هو بجيل واع مدرك متعلم، وهكذا أرى المعادلة، ولا يمكن لي أن أراها سوى هكذا. والغد الأردني المشرق يتطلب تعليما نوعيا يوسّع مدارك الأجيال، ويمكنهم من استيفاء متطلبات سوق العمل. فالتعليم هو حل جذري لكثير من التحديات التي تواجه مجتمعنا الأردني والعربي وكثير من مجتمعات العالم. هو العامل الوحيد القادر على التأثير في الفقر، والصحة، والبطالة، والتطرف، وعدم المساواة وغيرها.