ترجمة كلمة الملكة رانيا في قمة الويب قطر

27 شباط 2024

بسم الله الرحمن الرحيم

شكراً كاثرين. ممتنة لوجودي معكم اليوم في الدوحة.

لعل أحد أكثر الأمور المبهرة في التكنولوجيا هو قدرتها على إظهار طبيعتنا الإنسانية. فطريقة تفاعلنا مع أجهزتنا تُخبرنا الكثير عن أنفسنا.

نحن كبشر رواة بالفطرة – فهي طريقة فهمنا للعالم. كل سيلفي وتحديث للحالة وصورة وفيديو نشاركها تضيف بضعة أسطر إلى القصة التي نكتبها ونعيد كتابتها باستمرار عن أنفسنا.

ننشر لحظات من حياتنا على صفحات وسائل التواصل الاجتماعي الخاصة بنا، دون أن نعرف كيف سيتقبلها الآخرون. هل ستُقابل بالمديح أو النقد؟

أو بأسوأ الاحتمالات، هل سيتم تجاهلنا؟

لمخلوقات اجتماعية مثلنا، الاختفاء يوازي الموت. فكيف بإمكان أي منا ان يدرك مكانه في عالم تلاشت فيه قصته إلى العدم.

فعلى مر عقود، إحدى القصص تم تهميشها لتصبح حاشية في رواية كتبها آخر. إنها قصة فلسطين التي دُفع شعبها إلى الهامش، بعيداً عن الأنظار وبعيداً عن الأذهان.

لوقت طويل، تم تجريد الفلسطينيين من إنسانيتهم ومصداقيتهم... وتم تحويلهم إلى شعب يمكن استباحته دون عواقب.

تم تجاهل واقعهم كشعب تحت الاحتلال، وتشويه مجتمعهم المتنوع من أطباء وأساتذة وناشطين، وسحق وتجريم محاولاتهم العديدة للمقاومة غير المسلحة – من حملات الإضرابات والعصيان المدني التاريخية إلى مسيرة العودة الكبرى في غزة.

وبدلاً من ذلك، تم اختزال الشعب الفلسطيني إلى أعداء في رواية لطرف آخر – صُوروا للعالم على أنهم تهديد للأمن أو إرهابيين.

لكن اليوم، ولأقسى الأسباب، أصبح الفلسطينيون على مرأى العالم. فبعد ثلاثة أرباع قرن من بداية الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، رأى الملايين حول العالم للمرة الأولى ما يعنيه أن تكون فلسطينياً.

منذ اندلاع الحرب على غزة، شاهدنا كيف انقلبت مساحاتنا على وسائط التواصل الاجتماعي. تحولت الصور الملونة التي كانت تعج بها حساباتنا إلى مشاهد أحادية اللون: أكفان بيضاء، أنقاض رمادية وشاشات بيضاء وسوداء تتوسطها تحذيرات من قسوة المحتوى.

وأتردد مرات عديدة في مشاهدة ما وراء هذه التحذيرات. فبعد أكثر من 140 يوماً من الحرب أعلم تماماً ما ينتظرني: لقطات مروعة للحياة والموت من ذلك المكان الذي أصبح الأكثر بؤساً في عالمنا.

رضع تغطي أجسامهم حروق موجعة، أطفال استبدلت أطرافهم بضمادات غارقة بالدماء، وأمهات يكشفن الأكفان عن وجوه ملائكية لقبلة وداع أخيرة.

وأعتقد لبرهة، وأنا أقلب مشاهد تلك الحرب التي خلت من الرحمة، أن الحال لن يزداد سوءاً... إلا أنه يتفاقم.

يهوي مقياس الإنسانية إلى مستويات جديدة.

أفعال لا يمكن تصورها... أصبحت أموراً اعتيادية: مستشفيات تتعرض للقصف، أماكن عبادة تُدمر، مدنيون يقتلون وبأيديهم الرايات البيضاء.

فكيف بإمكاننا ان نستوعب كل ذلك؟

عندما يُسلب أحد أطراف الصراع من حقه في سرد الرواية، لا يبقى أمامنا إلا رواية منقوصة.

وتُستهل النسخة الحالية من تلك الرواية بالافتتاحية التالية: "بدأت الحرب في السابع من تشرين الأول".

بالتأكيد، فتحت هجمات ذلك اليوم فصلاً جديداً في صراع طويل. لكن القصة الأكبر امتدت لسنوات أطول من أعمار معظمنا: خمسة وسبعون عاماً لم ينعم الفلسطينيون خلالها يوماً بالسلام.

فأفعال الحرب لا تكون دائماً واضحة على هيئة قصف جوي أو كمين أو عملية اختطاف.

أحياناً، يأتي العنف على صورة حصار مطبق يمتد لأكثر من سبعة عشر عاماً، أو عقود من عمليات القتل اليومية. يأتي على شكل نقاط تفتيش أو جدار عازل أو عنف من مستوطنين مسلحين أو اعتقالات بلا سبب واهانات لا تنتهي تحت وقع احتلال .

في لاهاي الشهر الماضي، أثناء مرافعة فريق الدفاع الإسرائيلي ضد تهمة الإبادة الجماعية، نفى أحد محاميهم أهمية السياق التاريخي للصراع، معتبراً أحداث السابع من تشرين الأول سياقاً كافياً.

وهذه هي مشكلة ما يسمى بحلقات العنف: لا يوجد اتفاق من أين تبدأ القصة، ويركز كل طرف على معاناة شعبه ويقلل من معاناة الآخرين – ودوائر الصدى الرقمي تشجع حالة التمترس بأن رأينا هو الوحيد الصائب.

وتعود القصة التاريخية لإسرائيل إلى الحرب العالمية الثانية والمحرقة ورغبة اليهود في وطن.

إلا أن هذه القصة طغت على الرواية الفلسطينية: من وعد بلفور والتطهير العرقي في النكبة، إلى عقود من النزوح وانتزاع الملكية، والاحتلال غير الشرعي المستمرة حتى يومنا هذا.

دوائر الصدى في أذهاننا مبرمجة على رفض أي حقائق أو معلومات لا تؤكد قناعاتنا. ومع ذلك، الحرب في غزة، والتي تبث للعالم مباشرةً، أظهرت بشكل واضح الاختلال في موازين القوى الذي أملى قصة هذا الصراع.

وقد دُفع الكثيرون في الغرب للشك بمصداقية الصورة التي طُبعت في أذهانهم عن القضية الفلسطينية، وأنهم قد لا يمتلكون القصة الكاملة لها.

ليس من السهل زعزعة القناعات الراسخة، لكن عندما نخرج من أريحية ما هو مألوف نجد الفرصة للفهم والتواصل والنمو.

ويمكن لأحدهم القبول بأن قيام دولة إسرائيل كان - بالنسبة للكثيرين - بمثابة رد على ظلم تاريخي، وفي الوقت ذاته يُقر أن ذلك أوجد ظلماً ما زال قائماً على شعب آخر. وبإمكانك إدانة قتل المدنيين الإسرائيليين، وتقر في الوقت ذاته انه ما من مبرر على الإطلاق لإبادة غزة وشعبها.

لكن العديدين ممن عبروا عن هذه المشاعر واجهوا رد فعل سلبي، وكأن المساواة بين قيمة حياة الفلسطينيين والإسرائيليين هي جريمة. وكأنما الفلسطينيون موجودون خارج حدود إنسانيتنا.

لكن مثلما يمكن للقصص أن تجرد الإنسان من إنسانيته، باستطاعتها ان تمكننا وتساعدنا على رؤية انعكاس إنسانيتنا في عيون شخص آخر.

على مدار الأشهر القليلة الماضية، وجد العديد من الغزيين أنفسهم في أدوار لم يسعوا وراءها أبداً: من مصورين وصناع محتوى إلى مراسلي حرب... أصبحوا - على الرغم من أنفسهم -متحدثين لمعاناة الفلسطينيين وصمودهم.

لأولئك الذين يعيشون على الجانب الآخر من العالم، قد يكون من الصعب التعاطف مع شعب بعيد غير مألوف يعيش تحت القصف. لكن تلك المسافات تتلاشى عند تصفح حساب الانستغرام لشاب مراهق من شمال غزة.

قد يذكركم حسه الفكاهي بابن أو شقيق أصغر أو حتى بنفسكم. لكنه يسخر من المفارقة بين نجاته من أشهر تحت القصف الكثيف واحتمالية موته الآن جوعاً.

وتشارك شابة شجاعة وسط بحر من الخيام في رفح مستجدات الحرب. عندما أجبرها انعدام المياه النظيفة لقص شعرها المجعد، قام ناشطون من مختلف أنحاء العالم بقص خصلة من شعرهم تعبيراً عن تضامنهم.

هذه لحظة مأساوية ولحظة تحول بالنسبة لشعب فلسطين في آن واحد، ففي ذات الوقت الذي تنهار حياتهم من حولهم، يتنادى الناس من كل مكان ليشعروا بمعاناتهم.

من لندن إلى مدريد، ومن واشنطن العاصمة إلى دبلن.. يتحرك الناس لأجل فلسطين بأعداد غير مسبوقة. ونشطاء يهود حول العالم كانوا من بين أعلى الأصوات التي دعت لوقف إطلاق النار. وباتت جداريات لنشطاء من غزة تكسو بنايات في شوارع أوروبية.

وهذا الجيل من المواطنين الصحفيين قد أصبح موضع إشادة "لأنسنتهم" شعب غزة.

الفلسطينيون بشر – دائماً وأبداً - لكن المأساة هي انه كان من السهل تشكيل القناعة بعكس ذلك.

اليوم، يعتمد ظهور الفلسطينيين على أجهزتهم، ولكنه يعتمد أيضاً على القرارات التي يتم اتخاذها في عالم بعيد من المكاتب والمقرات.

وكثيرون من الفلسطينيين والناشطين يرون ان بعض المنصات الرئيسية تقوض من حدودهم الافتراضية. فتعرضت حسابات بعضهم للإغلاق أو الحظر، بعد رفع أصواتهم حول ما اعتبرته محكمة العدل الدولية حالة قد ترتقي للإبادة الجماعية.

وقد يستحيل إثبات تعرضك للحظر أو التشفير، لكن من الصعب على المستخدمين الوثوق بمنصات تتحكم بمحتواهم بناء على معايير غامضة.

وسواء على الإنترنت أو أرض الواقع، لم تخدم المعايير المبهمة الفلسطينيين يوماً. انظر إلى الأسس العالمية لحقوق الإنسان، القانون الدولي، والقيم العالمية للمساواة والعدالة، ستجد ان بعض المبادئ الأساسية تُعرّف من جديد لتبرر مستوى من العنف لا يمكن تبريره إطلاقاً.

لماذا يُشجب قتل البعض لكن يبرر قتل آخرين؟ لماذا يعتبر حرمان طفل من الطعام جريمة، في حين يعتبر تجويع مليون طفل غزي نتيجة مقبولة للحرب؟

هذه الأسئلة يتردد صداها في أرجاء العالم، مما صنع تحولاً جذرياً في المعتقدات العالمية.

لكن ما فائدة تغيير الاعتقادات ان لم نستطع تغيير الواقع؟

مؤخراً وجدت نفسي اتأمل في قوة تأثير التضامن ومحدداته.

لم يكن أهل غزة يوماً أكثر ارتباطاً بالعالم من أي وقت مضى – لكنهم لم يكونوا أكثر عزلة في الوقت ذاته. قُطعت عنهم سبل الماء والغذاء والدواء والوقود وكل ما يلزم لاستمرار الحياة، لكنهم استمروا في استخدام هواتفهم للوصول إلينا.

وقد حلم الفلسطينيون بذاك اليوم الذي سيخبرون فيه قصتهم للعالم. واليوم أصبح صوتهم مسموعاً بوضوح، لكن بأي كلفة؟

الدعم الجماعي جاء على حساب القتل الجماعي.

لماذا يجب اختبار إنسانية الفلسطينيين؟

لماذا على البعض ان يعمل على قدم وساق لنيل التعاطف، في حين يقدم للآخرين بلا مقابل؟

وما أهمية إيمان الملايين بأنك قد تعرضت للظلم، إذا سُمح للظلم بالاستمرار؟

لطالما كانت مشاعري حول النشاط على وسائط التواصل مختلطة. هل بإمكان هاشتاغ أو تيك توك رائج ان يشكل فارقاً؟ وهل نقوم بذلك لإيصال قصص المضطهدين أم هل نحاول إيجاد مخرج لأنفسنا؟

ما من إجابات سهلة. وأزداد حيرة في كل مرة أمسك فيها هاتفي.

لأن كل جلسة تصفح تحمل مشاعر متناقضة – فتاة صغيرة جسدها المشوه يتدلى من أنقاض مبنى أصيب بقذيفة إسرائيلية، يتبعها صورة رجل ياباني يتظاهر يومياً بمفرده في الشوارع تضامناً مع غزة. وأطفال جائعون هائمون تحت المطر وفي أيديهم أواني فارغة، يلي ذلك مدونة سويسرية تنشر الوعي حول معاناة أطفال غزة وهي تذرف الدموع.

ضربة موجعة يليها بارقة أمل.

لكننا بحاجة لما هو أكثر من بارقة.

نحن بحاجة لوقف لإطلاق النار. وقف للدمار، وقف للنزوح.. ووقف للحرمان المتعمد.

يجب على هذه الحرب ان تنتهي الآن. العرقلة المتعمدة لدخول المساعدات يجب ان تنتهي. وعلى الرهائن والمعتقلين من كلا الطرفين ان يعودوا إلى بيوتهم.

لكن هذه هي البداية فقط.

فالفلسطينيون يريدون ما يعتبره أغلبنا حقوقاً بديهية: حقهم في تقرير المصير، القدرة على حكم أنفسهم بكرامة وأمان. والتحرر من الاحتلال.

ولا يمكن تحقيق أي من ذلك، دون دولة فلسطينية مستقلة تعيش بسلام إلى جانب إسرائيل.

حين نُخفق في الوقوف مع الحق، نُقر بلا منازع بكل ما هو باطل.

التضامن مع الفلسطينيين يجب ان لا يكون أمراً عابراً. فالملايين ممن رفعوا أصواتهم يجب ألا يسمحوا بتراجع قصة فلسطين إلى الهامش مرة أخرى.

فكل صوت يحمل في مداه أمواجاً من الإمكانية. إن اتحدَت ستخلق واقعاً جديداً للشعب الفلسطيني.

بإمكان الضغط الشعبي ان يعيد رسم المستقبل. فالتضامن الجماعي أجبر قادة على اتخاذ خطوات اعتُقِد أنها مستحيلة... لزوال العبودية ... لإنهاء التفرقة العنصرية ... لإسقاط الجدران.

بلا شك، ما من قوة تفوق قوة جموعٍ عالمية واعية وممتعضة تطالب بنهاية ظلم تاريخي.

فالتغيير ممكن، والظلم قابل للزوال.

المسؤولية على عاتقنا. فكما قال مارتن لوثر كنغ يوماً: "التغيير ليس حتمياً، ولكنه يأتي من خلال الكفاح المستمر".

علينا ان نُصر على عالم حيث السلام والكرامة والحرية هي حقوق بلا منازع.

لأجلكم ولأجلنا... ولأجل شعب فلسطين.

لأن قصتهم هي جزء من قصتنا. وفي وقوفنا معهم، نقف مع أنفسنا أيضاً.

شكراً.