الملكة رانيا تؤكد ضرورة تعظيم القيم المشتركة لتجسير الفجوة بين الشرق والغرب

04 أيار 2007

4 ايار 2007

الملكة: أن الشرق والغرب قد يروا الأمور بوجهات نظر مختلفة ولكن التشابه بينهم أكثر بكثير

بوسطن - حذرت جلالة الملكة رانيا العبدالله من اتساع الفجوة بين الشرق والغرب، ودعت خلال كلمة لها في كلية كنيدي للدراسات الحكومية بجامعة هارفارد إلى تركيز الجهود لسد تلك الفجوة. 

جاء ذلك في كلمتها التي نقلت على الهواء مباشرة وأمام حشد من الأساتذة أعضاء الهيئة التدريسية من مختلف التخصصات في الجامعة، ووجهاء المجتمع، وكوكبة الطلاب.

وقالت جلالتها أن "الفجوة واسعة بين الطرفين وهي في اتساع مستمر. وكنتيجة لذلك، أخشى من التأثير السي الذي ينتاب الطرفين، وكما أسماه الفيلسوف وليم جيمس "جهل بني البشر" الذي يحول بيننا وبين فهم مشاعر أولئك الذين "يختلفون عنا".

وأضافت "بغض النظر عن اختلاف أصولنا...كيف نبدو... طريقة لباسنا... أو لمن نصلي... فإنه عندما يتعلق الأمر بما يضحكنا أو يبكينا...وبما نحلم به لأنفسنا ولأطفالنا... وعندما يتعلق الأمر بالعمل الشاق الذي نقوم به يوميا... نجد أننا متشابهون أكثر مما نختلف."

وبالإشارة إلى الوصف الذي أطلقه مارتن لوثر كنغ الابن عن "البيت العالمي"، وصفت جلالتها مواطني المجتمع العالمي كجيران في حجرات محصنة. حيث قالت جلالتها في عالمنا يشغل الشرق حجرة والغرب حجرة أخرى. ورغم أن المشهد الخارجي من نوافذ الحجرتين هو ذاته، غير أنهما يشاهدانه بصورة مختلفة... ذلك أن النوافذ نفسها تظللها خبرة كل جانب ووجهة نظره الخاصة.

وفي حديث جلالتها عن المستقبل الذي تريده لأبنائها وللعالم بأكمله قالت "أنا لا أريد لأبنائي أن يعيشوا في بيت كهذا. لا أريدهم أن يرثوا عالما مقسما وغاضبا، يعتكف فيه الشرق والغرب في حجرتين منفصلتين."

وأشارت إلى الفجوة في النظرة إلى الشرق الأوسط واختلاف وجهات النظر الموجودة، خاصة في قضايا تتعلق بفلسطين والعراق حيث يشكل إخفاق كل طرف في تفهم وجهة نظر الطرف الآخر، عائقا أمام التواصل أكبر من عائق التحدث بلغتين مختلفتين.

وقد حاولت جلالتها تلخيص وجهات النظر المختلفة لدى الجانبين، بقولها "سأحاول الحديث بصفة مراقب محايد- كشخص نظر من نوافذ الحجرتين، وكان شاهدا على التباين في المشهدين، وهدفي ليس إطلاق الأحكام. ولا أريد أن أملي عليكم رأيا- ولكن لألقي الضوء على الروايتين المتباعدتين... والطريقتين المختلفتين اللتين يفسر بهما الشرق والغرب الواقع".

وتابعت جلالتها القول "في المسألة الفلسطينية، مثلا، ومن خلال النظر من نافذة أمريكية، فإن أول ما قد تراه، هجمات إرهابية ضد إسرائيليين، والتزام إسرائيل الكبير بحماية شعبها من الأذى. أما عندما تنظر من خلال نافذة عربية، تظهر أمامك في الواجهة صورة أجيال من الفتيان والفتيات الفلسطينيين يكبرون بلا وطن... بلا حقوق... وبلا مستقبل- وهذه الصورة لم تتغير منذ خمسين عاما.

وقالت جلالتها "عندما ننظر إلى العراق، أعتقد أن الجانبين يتفقان على وجود فوضى. ولكنهما يختلفان حول دور القوات الأمريكية. فمن وجهة نظر عربية، العراق دولة عربية عانى شعبها لعقود طويلة- وأصبح يعيش في حال أسوء بعد الغزو والاحتلال الأمريكيين. فمن وجهة نظر عربية، الوجود الأمريكي غير مقبول... وغير مرحب به ... وغير عادل. ولكن عندما ينظر الأمريكيون من نافذتهم، يرى معظمهم القوات الأمريكية تقوم بعمل بطولي شريف ... وتبذل قصارى جهدها في أصعب الظروف لتعيد ترميم دولة مدمرة".

وأشارت إلى اختلافات أخرى في وجهة النظر والتوقعات، منها النظرة إلى حال المرأة العربية، والطريقة التي ينظر بها كل طرف إلى الإسلام.

وفي قضية المرأة قالت جلالتها "النظر من خلال النوافذ الغربية، قد تبدو المرأة العربية سلبية ومضطهدة- بدءا من طريقة لباسها، إلى الدور الذي تقوم به في البيت والأسرة. لكن النظرة الشرقية ترى أن المرأة العربية أصبحت تقوم بدور أكبر في المجتمع- كطبيبة ومحامية وصحفية وسياسية ورائدة في مجال الأعمال... وفي الوقت نفسه، ولأن الثقافة العربية تقدر الأسرة وتعلي من شأنها، فهي تعتبر الدور الكبير للمرأة في البيت مصدر قوة".

أما عن نظرة الطرفين إلى الإسلام قالت جلالتها "بالنسبة للكثيرين في الشرق، الإسلام جزء أساسي في الحياة- نور هداية، يؤكد على الرحمة والإحسان والتسامح والسلام. ولكن بالنسبة للعديدين في الغرب، فإن النظرة المغلوطة للإسلام- وما يمثله ويعنيه- مرتبطة بوحشية أحداث الحادي عشر من أيلول. وهكذا، وبالنظر من نافذة غربية، يبدو الإسلام تهديدا- يجسده إرهابيون يدعون أنهم يعملون في سبيل الله. ولكن عبر النافذة الشرقية، ينظر إلى الإسلام على أنه محاصر... يشوهه من الداخل متطرفون يتبنون العنف... وهو مدان من الخارج".

ولكن جلالتها ذكرّت الحضور بأن "في بيتنا العالمي يوجد غرفة مشتركة أيضا. غرف لا يشكل فيها اللون أو العرق أو العقيدة عقبة تعترض الطريق- لا لأن هذه الفوارق غير موجودة، بل لأنها ليست ذات أهمية. المهم في الغرف المشتركة هي القيم التي تجمع بيننا- والإيمان الراسخ بأن كلا منا يستحق الاحترام".

وأضافت "الغرف المشتركة هي مكان يأتي إليه أصحاب النوايا الطيبة للعمل من أجل المصلحة العامة. ليضعوا حدا للعنف، ويناضلوا من أجل السلام. وليبنوا عالما يناسب الأطفال. ليستثمروا مواردنا ومواهبنا للقضاء على الفقر في العالم ... وليحولوا حدود الدول إلى بوابات عالمية، تربط بيننا، لا تعزلنا عن بعضنا البعض."

وقالت جلالتها "يبدو لي أن هذه الجامعة هي من أحد الأماكن التي يمكن أن تساهم في تغيير النظرة للغرفة المشتركة وتحويلها إلى طريقة عيش". ودعت إلى العمل بجد من أجل جسر الفجوة قائلة "دعوا علاقتكم بهذه الجامعة العريقة تكون دليلا على الشجاعة الأخلاقية...والتعاطف". وأضافت "دعوها تعني التقرب من الغرباء بعقل وقلب منفتحين.. دعوها تعني أن ترافقكم روح الغرفة المشتركة حيثما ذهبتم". وأنهت جلالتها كلمتها داعية الطلبة لأن يعلموا بأن الشعب الأردني سيكون مستعدا دائما للقائهم هناك.

يشار إلى أن العديد من برامج جلالة الملكة رانيا العبد الله ركزت على إيجاد الأرضية المشتركة وعلى تضييق الفجوة بين الشرق والغرب لأن جلالتها تؤمن بأن الاعتراف الصريح والإيمان بإنسانيتنا المشتركة شرط أساسي لتحقيق السلام والتقدم في جميع أنحاء العالم.

وفي نهاية الخطاب أجابت جلالة الملكة رانيا على أسئلة الحضور التي تمحورت حول التحديات التي تواجه المنطقة والأهداف التي يتطلع لأردن إلى تحقيقها وما يمكن عمله للتقريب بين الفلسطينيين والإسرائيليين.

وأكدت جلالتها في إجاباتها على ضرورة امتلاك الإرادة التي تأتي من القلب، ومن الضمير، ومن الشعور الأخلاقي لصنع السلام الشامل والعادل وضمان المستقبل المشرق للأجيال القادمة ووقف إراقة الدماء والعنف في المنطقة.

وكان عميد كلية كنيدي للدراسات الحكومية بجامعة هارفارد الدكتور إلوود وسيد وايت قام بتقديم جلالتها للحضور، وقال في نهاية النقاش أن الأجواء التي سادت الجلسة تعتبر الأولى من نوعها مقارنة بما شهده خلال سنوات عمله الثلاثة كعميد للكلية وقال "لقد حضرت الكثير من الملتقيات ولكني لم أشعر بمثل هذه الحيوية والطاقة والحماس الذي شهدته في هذه الجلسة".