كلمة الملكة رانيا خلال إطلاق "مدرستي فلسطين"

April 18, 2010

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ...

من الأردن سلام على مدينة السلام ... 

برائحتها؛ بألوانها؛ وبأصوات صلواتها.

حلم كل مسلم .. الصلاة في بيت المقدس ... أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين. أن يسجد في أقرب بقعة من الأرض إلى السماء، والصلاة في بيت المقدس خير من ألف صلاة في غيره ..

والقدس اليوم كما بالأمس تتصدر عناوين الأخبار وجداول أعمال القمم.

لأجل القدس نبكي، ونغني ونشجب وتتأجج مشاعرنا مع مشاهد المصلين في الحرم أيام الجمعة.

لأجل مدينة الصلاة ... هذه المرة، لن نكتفي بالصلاة ...

فالوضع بالنسبة للمقدسيين يزداد سوءاً، ظاهره وباطنه .. ما تحمله الأخبار عن الاستيطان، وتضييق الخناق، والترحيل، والحرمان من الحقوق الأساسية، إلى ما تؤكده الإحصائيات من تراجع نسبة الإنفاق على التعليم، وتضاؤل المعونات الخارجية وزيادة نسب البطالة.

تخيل أن تحتل أرضك مستوطنة! تستولي على بيتك وحريتك ... تحدد مستقبلك بخطوط ملتوية! تقطع الأراضي أنصافاً وأرباعاً؛ تعيق كل حركة، وتقف بين الطالب والمدرسة، بين اللقمة وأفواه أبنائك. خطوط كتبت في الدروس تاريخاً لا عروبة فيه، لتحاول تنشئة جيل يائس، هويته لا تقوى على حمله الثقيل، حمله الشخصي والفلسطيني والعربي.  

وكما تعلمون: الحلول والمفاوضات السياسية تأخذ وقتاً لا يمكن لأطفال القدس انتظاره. فبينما تدور حروب المفاوضات على طاولات السياسة؛ تدور رحى الاحتلال لطحن الهوية المقدسية وتهويدها.

ما لا نراه هو حرب على هوية المكان وهوية قاطنيه، حرب بقاء.

استوطنت الأرض والمباني والطرق وتغلغلت يد الاحتلال لتعبث في المدارس ... تحاول استيطان العقول والهوية الفلسطينية!

تحاول تهميش المقدسيين بحيث لا يحظوا بما قد يقيهم من الذل أو يساعد في أن يعيشوا حياة كريمة، سواء كان تعليماً أو وظيفة أو حرية حركة أو صلاتاً عائلية أو أرضاً أو بيتاً أو مدرسة.

في المقابل: الانفاق على التعليم في اسرائيل هو أضعاف الانفاق على التعليم في القدس الشرقية. وتتاح لأطفال اسرائيل أحدث أساليب التعليم في أكثر المدارس تطوراً. خمسون بالمئة فقط من أطفال القدس مقدر لهم أن يكملوا تعليمهم. ومن استجاب الله لدعواتهم وصلوات والديهم فحظوا بمقعد دراسي .... يدرسون في مدارس ضيقة .. مخنوقة وصفوف شحيحة إمكانياتها وأوضاعها هو ما شاهدتموه في الفيلم. هذه المدارس هي أفضل المتوفر للأطفال العرب المقدسيين.

خلف أعينهم البراقة ... التواقة إلى التعليم، همّ بألا يتركوا تعليمهم. ألا يكونوا من المجبرين بالخروج إلى الشوارع ليبدأوا السير في دائرة مغلقة مع الذين لم تتح لهم فرصة التعليم في الأصل.

والقدس ستهود أكثر فأكثر كل يوم، إن لم ندعم فلسطينيتها بدءاً من اليوم ....

سنعمل، ومن خلال وزارة الأوقاف والشؤون والمقدسات الإسلامية الأردنية، على إدخال برامج "مدرستي" إلى المدارس التابعة للأوقاف الأردنية في القدس. فقد أثبتت "مدرستي" نجاحاً ملموساً هنا في الأردن. سنصلح البنية التحتية للمدارس، ونحاول ضم مبان متوفرة للمدارس الموجودة؛ ونوسعها .. ونمكن الطاقم التعليمي بمتطلبات التعليم النوعي الحديث.

سنرفع مستوى خريجي المدارس العربية، لتبقى هويتهم صامدة بهم؛ ويبقوا صامدين بكرامة في وجه الاستيطان.

نطلق "مدرستي فلسطين" من الأردن، لما لبلدنا من دور تاريخي في الحفاظ على عروبة القدس، وحماية مقدساتها الدينية. لكن القدس مسؤولية كل عربي، وتعليم أبنائها وسيلة لكل من لن يكتفي بالصلاة ويعززها بالعمل لأجل القدس ...
 
أهل القدس، يتلقون الضربات من كل حدب وصوب؛ بعضها يدمي ويقتل ... وآخر يحاول استنزاف كل قطرة هوية فلسطينية من أجسادهم الأبية.

يتلقون الضربات وأشدها ما لا نرى ألوان كدماته، ما لا تسمع ضجيج دباباته ودوي مدفعياته، وما لا يترك في القدس رائحة العزيمة الفلسطينية .... الهوية المقدسية، رائحة بخور القيامة، عبق الأثواب التي ركعت وخشعت في المسجد الأقصى.

القدس بألوانها، برائحتها وأصواتها.

لأجل هوية القدس الفلسطينية العربية وأطفال القدس ومستقبلها وأملنا؛ معكم سنعمل من اليوم دون كلل.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته،،