مقابلة الملكة رانيا مع جريدة عكاظ السعودية

February 24, 2007

 السبت، 24 شباط 2007مع إبتهاج منياوي
جريدة عكاظ السعودية، 2007

قالت جلالة الملكة رانيا في حوار خاص لـ«عكاظ»: خادم الحرمين الشريفين، صحح صورة المرأة السعودية عالمياً


قبيل مشاركتها اليوم في الدورة الثامنة لمنتدى جدة الاقتصادي، لم أكن أتوقع مقابلة الملكة رانيا العبدالله في مكتبها الخاص بالديوان الملكي الهاشمي بعمّان لأجد نفسي امام سيدة متواضعة راقية التعامل، تستقبل ضيوفها بابتسامة رقيقة نابعة من القلب، فكل من يدخل اليها تعطيه كل الاهتمام والتقدير والاحترام.. وكم كانت سعادتي وجلالتها تفاجئني بمتابعتها الدقيقة لكل خطوات المرأة السعودية ومسيرتها العلمية والعملية التي اثبتت فيها للعالم.. -وكما قالت الملكة رانيا- قدرتها على تحمل المسؤولية ورغبتها الصادقة في العطاء لوطنها وأمتها بكل ما حظيت به من دعم ومساندة من القيادة الرشيدة. قالت جلالة الملكة رانيا: ان المرأة السعودية تسير الآن بخطوات ثابتة لتحقيق انجازات كبيرة، واعربت في حديثها الخاص لـ «عكاظ» عن اعجابها الشديد بما تحظى به نساء المملكة من اهتمام كبير من مقام خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز، ومنحهن الفرصة في بناء الوطن وتنميته واشراكهن في جولاته الرسمية لتصحيح الصورة عن المرأة السعودية عالميا.

الملكة رانيا وصفت المرأة السعودية بانها ذكية ونشطة وقادرة على الوصول الى مراكز مهمة، ولم تنس جلالتها هموم المرأة العربية واحلامها والتحديات التي تواجهها في عصر التقنية والمعلومات، لافتة الى ان قضيتها الاولى في الأمم المتحدة تغيير النظرة النمطية تجاه المرأة العربية، مطالبة بدور اكبر للاسرة في مواجهة عقلية العنف والتطرف مؤكدة على حق كل انسان.. رجلا كان أو امرأة أو طفلا أن يعيش بأمان، مشددة على اهمية الحوار وتقبل الرأي الآخر وتبادل وجهات النظر والعمل المتواصل لاحداث التغيير المنشود.. والى الحوار:

ما هو شعوركم وأنتم تتلقون دعوة من المملكة العربية السعودية للمشاركة للمرة الثانية في منتدى جدة الاقتصادي، وكيف تنظرون للمنتدى وما حققه سابقا، وهل انعكس بشكل ايجابي على اقتصاد المنطقة العربية؟

أشكر المنظمين، وأشكركم جميعاً في المملكة العربية السعودية على هذه الدعوة التي اعتز بها. والحقيقة أن إقامة منتدى بهذا المستوى العالي يُعتبر فخراً لنا جميعاً في الدول العربية. ما حققه المنتدى على المستوى العالمي، ومشاركة رؤساء دول وشخصيات اقتصادية وسياسية إقليمية وعالمية أكبر دليل على أهميته.

لقد شاركت في المنتدى في عام 2004، واليوم أشعر بالسعادة وأنا أنضم إليكم لمشاركتكم في نجاح جديد في الدورة الثامنة للمنتدى الذي وفر للاقتصاديين العرب المجال لعرض فرصهم الاستثمارية المتنوعة لنظرائهم من العالم، وبالتالي المساهمة في تعزيز الاستثمارات للدول العربية.

كيف تنظرين جلالتكم للمرأة العربية وبالأخص المرأة السعودية وما حققته في السنوات الأخيرة من انجازات ومشاركات على كافة الأصعدة، وما نصيحتك لها؟

لقد حققت المرأة في الدول العربية تقدماً هاماً، واليوم نجدها تشغل مناصب وزارية وإدارية متقدمة، بالإضافة إلى انه أصبح لدينا المرأة القاضية والمحامية والطبيبة وسيدة الأعمال وغيرها. ونلاحظ مدى ارتفاع مستويات الوعي بأهمية المشاركة الفعالة للمرأة في جميع المجالات، وتأثيرها على عملية التنمية.

والمرأة السعودية تسير بخطوات ثابتة لتحقيق انجازات كبيرة، وهي معروفة على مستوى العالم برغبتها وقدرتها على الوصول إلى مراكز مهمة. لذلك أقول لقد حققت المرأة العربية الكثير وما زال أمامها الكثير. وأنا اشعر بالتفاؤل لأنني أرى حجم الإمكانات والقدرات والعزيمة والمعرفة التي تملكها المرأة العربية، والتي تؤكد قدرتها على تحقيق المزيد من الانجازات لنفسها ولمجتمعاتها.

وأود أن أضيف هنا بأن للمرأة الأم دورا كبيرا في منزلها، للحفاظ على تماسك الأسرة وتربية أبنائها التربية السليمة. وهذا - كما هو معروف - ما أكد عليه ديننا الإسلامي.

لو ُطلب من الملكة رانيا العبدالله بأن تمثل جميع النساء العربيات في الأمم المتحدة ما هي القضية الأولى والأهم في رأيها التي سوف تناقشها أو تطرحها؟

في البداية سأرغب في نقل الصورة الصحيحة عن حقيقة وواقع المرأة العربية لتغيير النظرة النمطية عنها. نعم ما زالت المرأة في العالم العربي تواجه تحديات ولكنها أنجزت الكثير، وهذه حقيقة يجب أن تُوضح للعالم.
سأتحدث عن الإمكانات الهائلة التي تملكها المرأة العربية، وضرورة توفير المزيد من الفرص لها لزيادة الاستفادة من إمكاناتها وطاقاتها. وسأعمل على إبراز الدور الكبير الذي تقوم به المرأة سواء في مجتمعها أو في منزلها.

ولا نستطيع أن نتحدث عن المرأة العربية دون أن نشير إلى ما عانته ولا تزال تعاني منه المرأة في بعض الدول كفلسطين والعراق جراء الحروب والنزاعات. ورغم ذلك نراها تشارك في جميع مجالات الحياة، تنتج وتساهم في دخل الأسرة والمحافظة على ترابط أركانها، وتساهم في دعم الاقتصاد في وطنها.

بالنظر للمجلس الوطني لشؤون الأسرة في دولة الأردن الشقيقة والذي يساهم في تحسين نوعية الحياة لجميع الأسر الأردنية، كيف تجدين جلالتكم أهمية إنشاء مجالس وطنية للأسر في الدول العربية، وما يمكن أن تحل من مشاكل تعاني منها المجتمعات في بعض هذه الدول أهمها حرمان الأطفال من التعليم والعنف ضد الأطفال واستغلالهم من خلال تشغيلهم لتحسين دخول أسرهم؟

انطلاقاً من أهمية الأسرة، وبما أن الأسرة تشكل النواة الأولى في مجتمعاتنا العربية فقد جاءت فكرة المجلس الوطني للمساهمة في الحفاظ على أمان الأسرة وضمان استقرارها، وتحسين نوعية حياتها، وحماية جميع أفرادها. ويعمل المجلس الوطني لشؤون الأسرة على متابعة وتنسيق المبادرات والإجراءات بما في ذلك التشريعات المتعلقة بالأسرة وأفرادها، ودراسة القضايا التنموية المتعلقة بالأسرة للمساهمة في وضع سياسات تتجاوب معها. وذلك من خلال شراكاته مع المؤسسات الرسمية والأهلية ذات الصلة بمجالات الأسرة.

وفي العام الماضي قام المجلس بشراكة مع مؤسسات مختلفة بإطلاق المؤتمر العالمي للشبكة النسائية العالمية للطفولة بهدف تسليط الضوء على التحديات التي تواجه النساء والأطفال في العالم. وكان أهمها وفيات الأمهات والأطفال حديثي الولادة. بالإضافة إلى مناقشة موضوع تعليم الفتيات، باعتباره واحدا من الأهداف الإنمائية للألفية. وأنا دائما أقول بأن تعليم الفتيات لا يغير مسيرة حياتهن فقط، ولكن يغير مسيرة أوطانهن، وان تمكين المرأة أصبح ضرورة لتمكين المجتمعات.

هنالك حوالى 115 مليون طفل حول العالم لا يحصلون على التعليم الابتدائي وأكثريتهم من الفتيات. وهذه تشكل خسارة للعالم بأكمله، خسارة لطاقات وإمكانات هؤلاء الأطفال والفتيات. لذلك أصبح التعليم وتعليم الفتيات بشكل خاص تحديا ومتطلبا عالميا، تحقيقه يحتاج من الجميع المساهمة والوقوف إلى جانب الفتيات والأطفال الأقل حظا لضمان حصولهم على التعليم والاستفادة من قدراتهم وطاقاتهم.

كونك عضوا في مؤسسة الشباب العالمية في أكثر من 60 بلداً ومنطقة، والتي تهدف إلى تحسين ظروف الشباب وآفاقهم حيث يعيشون ويتعلمون ويعملون.. في نظر جلالتكم ما هي أبرز مشاكل الشباب والشابات في العالم العربي وكيف تنظرين لاستغلال البعض منهم من قبل أصحاب الفكر الضال والمتطرف وكيف يمكن أن نحميهم؟

كما تعلمين 70 بالمائة من الأردنيين هم شباب وثقتنا بهذه الفئة كبيرة، وفي العالم العربي يشكل الشباب (تحت سن الثلاثين) ثلثي السكان. وبهؤلاء الشباب والشابات نحن قادرون على التصدي لأي تحد يواجهنا. وهذا يتطلب منا توفير جميع السبل والوسائل التي تساعدهم في تطوير مهاراتهم والاستفادة منها. نحن نعلم أن التحديات التي تواجهنا كبيرة، ولكننا نجد في كل تحدٍ فرصة جديدة للانجاز.

أما في ما يتعلق بالتطرف، فهنا يأتي دور التعليم وتمكين الشباب؛ علينا الوصول إلى الشباب في كل مكان، وتعليمهم القيم الصحيحة واحترام الآخرين وتقبلهم واحترام أفكارهم (وهنا أؤكد على الدور الكبير للأسرة). علينا مواجهة عقلية العنف وتبديلها بعقلية أخرى تقوم على أسس السلام والتسامح والعدالة واحترام حياة الإنسان مهما اختلفنا في العرق أو الدين.

وللحوار دور كبير في مواجهة الإرهاب، فخلال زيارات أقوم بها خارج الأردن والعالم العربي المس مدى التشابه بين الشباب؛ فرغم اختلاف اللغة أو طريقة الحياة لكن أحلامهم وطموحاتهم متشابهة. لذلك علينا أن نركز أكثر على السمات التي تجمعنا بدلا من التركيز على اختلافاتنا. علينا أن نفتح أبواب الحوار وتبادل وجهات النظر لأن الصراع اليوم برأيي ليس صراع ثقافات أو حضارات، ولكنه صراع بين فكر يؤمن بأن القتل هو الوسيلة لمواجهة التحديات، وآخر يؤمن بالحياة والأمل واحترام الآخرين وحقهم في الحياة.

من خلال تأسيسكم لمؤسسة نهر الأردن التي ُتعد مؤسسة أردنية غير حكومية لا تهدف إلى الربح، وتهتم بالنساء والأطفال، وتعمل على تحسين نوعية الحياة لضمان مستقبل أفضل لجميع الأردنيين.. يتضح ان أغلب أنشطة جلالتكم تركز على المرأة والطفل وتحسين وضعهم المعيشي.. فما هو تعليقكم؟ وماذا عن هذه المؤسسة الانسانية والاجتماعية؟

استطاعت المؤسسة ومن خلال شراكاتها مع مؤسسات القطاع الخاص أن توفر السبل للآلاف من المواطنين لاستثمار قدراتهم، ومساعدة العديد من النساء والشباب في استخدام مهاراتهم في مشاريع مختلفة وفق أولويات مجتمعاتهم. من زراعة اللوز في مادبا وصناعة المنتجات الصوفية في البادية، إلى مشروع شمل 14 تجمعاً قروياً في البادية الشمالية وفر فرص عمل لأهل المنطقة. ومشروع بني حميدة الذي تمكن من تشغيل مئات النساء ويوفر الآن حوالى 450 فرصة عمل للمجتمع المحلي في مجال النسج والغزل ومشروعات البنية التحتية والمشاريع المدرة للدخل. إضافة إلى غيرها من البرامج التي تقوم المؤسسة بتنفيذها.

وفي مجال حماية الأطفال من الإساءة، جاء دور المؤسسة في هذا المجال من إيماننا أن الأطفال أهم ما لدينا ودورنا كمجتمعات ومؤسسات وأفراد حمايتهم وضمان عدم الإساءة لهم. وأنا كامرأة وكأم تؤلمني كثيرا رؤية طفل يتعرض للإساءة، لان آثار الإساءة لا تقتصر على الآلام الجسدية. وتؤلمني كثيرا فكرة أن تكون الذكريات التي يحملها الإنسان من أيام طفولته تُسبب له الشعور بالحزن والألم بدلا من السعادة والابتسامة.

وركزت المؤسسة إلى جانب مؤسسات أخرى في الأردن خلال السنوات الماضية على جانبين رئيسيين هما إعادة التأهيل ووقف العنف والتوعية المجتمعية وأساليب التنشئة السليمة للأطفال. فعلى سبيل المثال قامت مؤسسة نهر الأردن قبل سنوات بإنشاء أول مركز للأطفال المساء لهم في العالم العربي، وهو دار الأمان الذي يقدم العناية الطبية والنفسية والتعليم للأطفال المساء لهم. وفي الوقت نفسه يقدم للأهالي وأفراد الأسرة الإرشاد والنصح ومهارات التربية والدعم وهكذا يعمل على إعادة دمج الطفل في بيئة أسرية صحية. وفي هذا المجال أيضا قامت المؤسسة بإنشاء مركز للأسرة والطفل مهمّته تقديم التوعية والتدريب للأطفال والأهل، لحماية الأطفال من الإساءة وزيادة الوعي حول طرق التعامل معهم.

هل تنحصر أحلام وطموحات جلالة الملكة رانيا العبدالله في تحسين وضع المرأة والطفل في الأردن أم أن المرأة العربية والطفل العربي يحظى بجزئية من تفكير جلالتكم وما هي المساعي أو الخطط التي تسعون لها للقيام بهذه المهمة؟

أنا امرأة عربية، والمرأة والطفل العربي ضمن أولويات عملي. ونحن ندرك أهمية تبادل المعارف والتعاون والتشارك والاستفادة من تجارب غيرنا، خاصة ان عالمنا اليوم يتطلب منا أن لا نكتفي بما لدينا فقط ولكن البناء عليه وتطويره والاستفادة من خبرات بعضنا.

فمثلا في مجال التعليم استطاعت مبادرة التعليم الأردنية أن تصبح نموذجا عربيا تم تبنيه في مصر وفلسطين وإقليم راجستان الهندي. وأنا أتابع باهتمام شؤون المرأة والطفل العربي، والتحديات التي تواجههما وافتخر بالانجازات التي تحققها الدول العربية في هذا المجال.

جلالة الملكة رانيا، باعتبارك مَثلا للشابات العربيات وخاصة صغار السن اللواتي يترقبون وبشغف طريقة حديث الملكة رانيا وأسلوبها وحتى طريقة لبسها وأناقتها ما هي الرسالة والنصيحة التي تودين أن تهمسي بها في أذن كل فتاة عربية؟

أقول لكل فتاة عربية انها سفيرة لبلدها وعالمها العربي. وعليها أن تمثله أفضل تمثيل. اطلب منهن الاستفادة من قدراتهن والعمل دائماً على تطوير هذه القدرات والاستثمار بأنفسهن.

بما أن جلالتكم عضو في المنظمة العالمية (وورلد لينكس) بماذا تقيمين مدى استفادة الشباب والشابات في العالم العربي من استخدام وتطبيق تكنولوجيا المعلومات والى أي مدى يمكن أن تساهم في تقليص الفجوة بيننا وبين العالم الغربي في هذا المجال؟

يهدف عمل منظمة وورلد لينكس / المنطقة العربية إلى تحسين التعليم والتعلم من خلال دعم قدرات الشباب العربي وتعزيز التواصل بينهم وذلك باستخدام التقنية والتكنولوجيا والتنمية المهنية للمعلمين لتحقيق نتائج تعليمية أفضل.

واستطاع برنامج عملها تنمية قدرات الشباب العربي في عدد من البلدان العربية، وإطلاق إبداعاتهم وتحسين مهاراتهم وتوسيع معارفهم وآفاقهم لتمكينهم من المساهمة الفاعلة في التنمية الوطنية. وتعمل المنظمة على مأسسة البرنامج في وزارات التربية والتعليم وتعزيز القدرات لضمان الاستدامة. وقد بدأنا نلمس دور البرنامج في تحسين مخرجات التعليم وتعميق التفاهم والتبادل المعرفي والعمل التشاركي بين الطلاب في الأردن والدول العربية من خلال استخدام التكنولوجيا في التعليم.

وتمكن البرنامج من الوصول إلى ما يزيد على 6 آلاف معلم ومعلمة، وألف مدرسة وما يقارب المليون طالب وطالبة في عدد من الدول العربية. ومن المتوقع أن يصل إلى 15 ألف معلم وخمسة ملايين شاب وشابة في الدول العربية بحلول عام 2010. دور المؤسسة في زيادة التبادل بين الدول العربية ودول العالم، يتمثل في الطابع العالمي للمنظمة فهي مؤسسة عالمية تصل برامجها إلى أكثر من 36 دولة في العالم، ولذلك تساهم في إيجاد جسور من التبادل والتحاور بين الشباب من جميع دول العالم.


© حقوق الطبع, جريدة عكاظ السعودية