ميزان المرء... مقالة جلالة الملكة رانيا العبدالله لصحيفة هفنغتون بوست عربي

July 27, 2015

أهلا بصحيفة الهافينغتون بوست في حلة جديدة هي لغة الضاد... بما ستُضفي على هذه الصحيفة من فكر عربي، فاللغة ليست وعاءً فارغاً، أو مجرد أداة لنقل الفكر، بل هي ما يحدد الفكر أو يفتح آفاقه. ولغتنا العربية ثرية بمفرداتها وما تحمل من معان جميلة وأفكار تعبر عن قيمنا والأصالة فيها. ونتمنى أن تكون النسخة العربية من هذه الصحيفة إضافة نوعية للمحتوى العربي الإلكتروني.

فالجمهور المحلل، المحاور، واسع الأفق هو القادر على إيجاد الحوار النافع والبناء، وهو القادر على أن يحدث تغييرا حقيقيا والتأثير في الرأي العام....

والعالم اليوم في أمس الحاجة إلى التغيير وتجسير هوة الاختلاف.

قال قدماء العرب: "ميزان المرء لسانه"

فاللغة هي انعكاس للبيئة والواقع الفكري والثقافي للأفراد والشعوب الناطقة بها.

فما يعبر عنه المرء هو انعكاس لفكره ومعرفته واهتماماته؛ وذلك ما نَخبُره جيدا كأمهات وآباء مع أبنائنا حين نراقب تطور لغتهم وتبلورها حسب نموهم، تبدأ في التعبير عن احتياجاتهم البيولوجية وتتطور إلى أن يصبحوا شركاء في أحاديثنا ونقاشاتنا.

واليوم تحدث الكثير من الأحاديث والنقاشات على الإنترنت؛ بل إن التواصل عبر الإنترنت هو من أهم سمات هذا العصر ووسيلة الإعلام والتواصل الأولى في معظم دول العالم؛ خاصة ما بين فئة الشباب.

لكننا كعرب لا نزال حديثي التواصل بلغتنا عبر الأثير.

والأرقام شاهد على هذا؛ فمع أن اللغة العربية هي خامس أكثر لغات العالم استخداماً من حيث عدد الناطقين بها، ورابع أكثر اللغات العالمية حضورا على الإنترنت- و أربعون بالمائة من سكان الوطن العربي يستخدمون الإنترنت إلا أن المحتوى العربي على الشبكة يشكل أقل من 1%.

وإذا ما نظرنا إلى المضمون نتساءل: ماذا تقول لغتنا على الإنترنت عن فكرنا وعن حالنا كعرب؟

فبقراءة ومتابعة المحتوى الإلكتروني بلغة الضاد نجد أن كثيرا منه يعكس وللأسف ضيق الأفق، و ضآلة المحتوى، وضعف المشاركة في إثراء الفكر الجمعي العالمي الإلكتروني، وضياع الحوار البناء، فيفهم العالم من الضوضاء أننا نرفض الاختلاف، ونضرب عرض الحائط بالرأي الآخر، ولا يفهم قدرتنا على ضبط حوارنا بحيث يكون بناء؛ أو يتعرف على ضميرنا الحي وأخلاقنا الطيبة وأصالة قيمنا.

مع أننا نتحدث اللغة نفسها... ولكن كأننا غير قادرين على حوار بعضنا وتقبل اختلافنا... وغير قادرين على التعايش السلمي وبتنا فئاتٍ ومذاهبَ وأدياناً وأطيافاً وهناك دائماً طرف "آخر" نحاربه أو نتعالى عليه أو نهاجم اختلافه عنّا.

وفي مواطن الضعف تلك وجدت الجماعات الإرهابية والفكر الظلامي مساحة لبث سموم لغتهم وفكرهم المشبع بالقتل وانتهاك كل ما هو إنساني، بل استطاعت أن تستغل فضاء الإنترنت المفتوح للتجنيد ونشر ثقافة العنف والإرهاب والترهيب والتكفير.

وبالمقابل لم توظف الأغلبية العربية التي تريد ان تعيش بسلام ونماء منجزات التقنية العالمية بما ينفعها بالقدر الكافي بعد، لنهل العلوم ونشر العلم، لتعزيز التواصل العربي- العربي البناء، لنشر محتوى رصين ينم عن فكر وعمق تاريخي.

نحن بحاجة للمزيد من المواقع الناطقة بالعربية، بحاجة لأن نضخ في الشبكة العنكبوتية العلوم النافعة فتاريخنا ومستقبل الأجيال القادمة لهما حق علينا لكي ننشر غنى تراثنا وحضارتنا .

ولتكن لغة الضاد ضوءنا الذي نبثه للعالم، وضميرنا الذي يشدنا للحوار والتعايش واحترام الذات والغير.